السبت، 7 سبتمبر 2013

VI - يوميات حائك : الصبر و اليقين 2-2

أصحاب العربية جنّ الانس ... يبصرون ما لا يبصر غيرهم
محمد ابن ادريس الشافعي





الصبر و اليقين
الجزء 2







هذه المقطوعة ذكرتني بقول ما من قول العرب لا أتبين قائله بقدر عدم تبيني الطريق بين هذه القطرات المتتالية و المتواترة اكثر فأكثر..فضلا عن الظلمة....الظلمة في أزقة هذه المدينة العتيقة...باختلاطها مع الأضواء ..تضفي تشابها أكبر على صور هذه الأزقة الضيقة..لا أدري كيف يدرك دماغي الفروق مع كل هذه الظلمات المتناثرة في أركانها خالية من دليل الا ما كان من احساس أني قد كنت هنا بالأمس..مررت من هنا..احساس يقودني كأرنب أليس الأبيض بين الجحور ....احساس بالوحشة يغمرني مع استغراق في هذا الحال....تذكرت البيت العربي ألان..

وأرواحنا في وحشة من جسومنا .*** وحاصل دنيانا أذى ووبال

أي الطرق أخصر الى البيت؟؟..احتار دانشمند بين أربع طرق أخصر الى ما سماه المبادئ اليقينية الأولى...فاختار اقربها سبيلا و صراطا مستقيما الى هذه المبادئ الأولى او ما سماه الأوائل الفطرة..ما أدى به تلمس شطائر النبوة فيه ليشتغل بالحديث في آخر أيامه و يموت و البخاري على صدره...هل كان للفتى التيمي الشافعي الذي جاء بعده ان يوافق نفس مصيره لو كان قبل عرض الكبرى؟؟
ما اليقين ؟؟ سأل الفتى الشيخ...فأجابه الكبرى بنفس ما وصف به دانشمند اليقين في رائعته ..و فصله الفتى الحراني في رسالته في طرق العلم الالهي و التي هي كالحاشية عليها:
واردات ترد على النفس تعجز عن ردها...
أكان ممكنا ان لا تتأخر عودة الفتى التيمي كل هذا الوقت...كما لم تتأخر عودة صاحبه المعتزلي فصرح بعد حين انه يرى ان الحق ما يقوله أهل الحديث المشبهة ..لولا تلك الظلمة التي ملكته و لم يجرؤ على تفكيكها كما جرؤ على ذلك فخر طوس و عالمها..فأودت به كما أودت من قبل بدانشمند الى تراث الصابئة من عبادة الكواكب و النجوم السيارة برهة من الزمن قبل ان يقلعوا....
طينة الظلمة هذه كانت قد تسربت على حد قول السهروردي الزنديق..من أيام أتباع فيثاغورس...حتى اختلطت بماء أتباع هرمس الهرامسة ...هذه المحاولة لزرع الفكرة الأولى...من فارس القديمة و مصر الهلينية و على الخصوص من الهند السنسكريتية..أثارت موجة من المقاومة بين ورثة العلم النبوي غير مسبوقة لم تثرها آلاف الأفكار الادارية و الاقتصادية و العلميةالأجنبية الأخرى التي تقبلت بدرجات متفاوتة في الدولة الحديثة النشوء....و لم تزل هذه الظلمة تتغلغل في الناس بسبب عوامل البذخ و ما تنتجه من الفراغ و بالتالي الفرج ...الى أن صارت سرطانا تصيب شظاياه المظلمة الصفوة ..و حتى سيطر على المشهد الايماني الفكري العلمي داء الأمم و مع عامل الوقت...فقد أخذت فيهما هذه الظلمة خطوة خطوة حتى أتت هذه الأرضة على منسأة الفطرة فيها.
-شكرا
و دعني الكسيح بابتسامة بعد أن تركته أمام باب المخبزة حيث اعتاد السؤال...
واردات ترد على النفس...واردات ترد على النفس..هكذا قالها الكبرى واستحسنها الفتى التيمي...و لكن لم يجرؤ على ما جرؤ عليه دانشمند..ترك الرياسة و العلائق...البحث عن الحرية ...اخترت طريقي مخترقا حي اليهود ..بدأت أحس باقترابي من البيت مع ازدياد واردات تفاصيل صور الأزقة من خلف الظلمة...و بصيص النور ..كلما اقتربت كلما كانت الأزقة الأكثر ارتباطا بذكريات الطفولة تتضح و قل اعتمادي على ثنائية النور و الظلمة للاهتداء لطريقي...من أغمض مناطق العمليات الخاصة في أدمغتنا هي هذه الذاكرة..و ان كان تنظيمها مشابه نوعا ما للتنظيم في المجال الحاسوبي...لكن تعقيده وارتباطه بالذكاء و العلم و الاحساس ما زال يثير فضولي ...ارتباطه بالمعلومة في الأساس...كيف يتم نقل المعلومة الوافدة من العالم الخارجي الى منطقة الذاكرة البعيدة الأمد في شبكة العصبونات...عن طريق الال طي بي...فهي شبيهة الى حد كبير بطريقة البرمجة عن طريق التردد او الترديد بالصفر و الواحد ...نظام العد الثنائي الذي اخترعه لايبنز في محاولة منه لتشكيل تطبيق صناعي لعالمه المونادولوجي الغيبي...كون مرقم كما يقول ...او كما قال فيثاغورس قبله بآلاف السنين...كون رقم و نغم...
هذه الطريقة من طرق تفعيل الذاكرة الانسانية ...يبدو انها ستحتل نصيب الأسد في تفسير انماط السلوك الانساني تعليما واكتسابا منذ اكتشافها القرن الماضي .و ربما تبتلع بعدها الجزء الأكبر من ظواهر الوعي ..فتكرار المعلومة انطلاقا من تكرار صورها مرات و مرات...يؤدي لأذرع العصبونات الى سلوك مدهش حقيقة..و المدهش فيه ليس تشديد نقط اتصالها أكثر فأكثر كلما ازداد التكرر وورود واردات المعلومة....و لا حتى انتقالها بعد ذلك الى استخراج اذرع أخرى و تشبيكها لضمان حفظ أطول للمعلومة تحت تأثير و تحفيز الأنزيمات فيما يشبه التفاف اغضان الشجر حول بصيص من الضوء تناله..بل المدهش ان تستعمر هذه الجحافل من العصبونات مع ازدياد التكرار مناطق وظيفية أخرى عند جاراتها...و تستخدمها لدعم وظيفتها فيما يشبه استعارة مقرات الدولة بين الادارات المختلفة اثناء الأزمات...حتى يصل الأمر مع توالي المدة الى ان يصبح قريبا من الطبع..و يصبح اتخاذ القرارات المرتبطة بالمعلومة يكاد لا يحتاج الى تفكير....القرار...قرار انعطافي الذي أخذته الآن للدرب الأطول لعلم ان الدرب الأخصر لا تدخله شاحنة النفايات كثيرا لضيقه..و كلما ازدادت الواردات من معلومات القضية ازدادت نقط الاتصال و تكرارها و متانتها بين أطراف العصبونات..و ازداد بذلك اليقين الذي لا يحتاج لترسخه الا الى وقت...الى الصبر...
لهذا ربما كان النهج القديم يصر على اهمية التكرار في الحفظ و اهمية الحفظ لتحصيل العلم في المنهاج الدراسي القديم ككل و عدم الاكتفاء بمجرد الفهم...ربما الآن يعود اختصاصيو علوم التربية الآن لاعتباره بدل تركه لمتطفلي علوم البرمجة اللغوية العصبية...و تلك القصة الشهيرة التي رواها ابن الجوزي في الحث على حفظ العلم ...عبارات مثل قول ابن معين : لو لم نسمع الحديث خمسين مرة ما علمناه...و غيرها مئات من العبارات كانوا يحثون فيها الطلبة على حفظ أمهات المصنفات بالتكرار...و اهل الكلام و الرأي يسخرون منهم و يسمونهم بزوامل الأسفار..يا لمقولتك يا فاروق : أصبح أهل الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يعوها وتفلتت منهم أن يرووها فاستبقوها بالرأي...نهج آخر من المناهج التي يجب ان ينفض الغبار عتها في مناهجنا التعليمية..ففعاليته ظاهرة في الحق كما انها كانت ظاهرة في الباطل من ايام غوبلز و مبدئه في خلق الرأي العام بالاعلام..
- حدد قدر التعبئة يا سيدي
مددت له بسرعة المال...فيبدو ان هذه الليلة ستحتاج الى أكبر قدر من الرصيد ..فيبدو ان الكلمات عبر الجوال لن تنتهي...خرجت من الكشك الى قطرات الغيث مرة أخرى...و قطرات المعلومات...و قطرات العلم...لهذا النوع من العلم الحدسي تشوف دانشمند للوصول الى الفطرة...فقد علم ان كثرة التعرض لأنواع الحقائق الصحيحة في ذاتها يورث علما أقرب ما يكون الى اليقينيات الأولى...و علم بلا شك أن ان الحقائق في نفسها معلم...أن ان تقبل الحق نفسه يورث ابصارا و معرفة بحقائق أخرى..في شبكة من حقائق مثناثرة في الوجود كتناثر شبكة العصبونات المستقبلة لها...لهذا كان الأعرابي قديما مع عريه عن علوم النحو لا يلحن...و ان لم يعرف براهين النحو لكن لسانه ما كان يستطيع غير الحق من الاعراب...و لهذا في الفقه انتشرت عبارات مثل فقيه البدن..كناية عمن دخلت تفاصيل و دقائق معلومات الفقه مع نفسه العاقلة حتى التحمت ببدنه فصار عالما به بوجوده هو نفسه...و مثله في المحدثين ما حكاه ابن رجب من تراجيديا تناقص العلم بالعلل...فذكر ان كبار العالمين بالعلل كان يعرض عليهم الحديث الظاهر الصحة فيحكمون ببطلانه دون تفكير دون ان يعلم احدهم بقول الآخر فيه ..فان فتش وجد كما قالوا...حتى قال السائل: أشهد ان هذا العلم الهام...
مثل هذا النوع الراقي من العلم يجده الأطباء و الفيزيائيون و المهندسون و غيرهم ممن يتعاطون العلوم التطبيقية ...اذ قد تعرض عليهم حالة تبدو لغيرهم صحية و سليمة جدا...لكن لخبرتهم و توالي صور الحالات عليهم يرون ما لا يرى غيرهم و احيانا بدون ادنى تفكير...فيدركون من الخلل في البحوث او الدراسات او التشخيص ما لا يراه غيرهم بالمنهجيات العلمية المنظمة...

-كيف يكون ما لايدخل بسهولة تحت التعبير اللغوي افضل و اكثر افادة لليقين مما يدخل تحت المنهج و التنظيم و التعبير؟؟
-يا هماز ...تعرف ان اللغة و البيان هي بحسب القدرة...و ان الأقدر على العلم يكون أقدر على البيان و التحكم في اللغة الا لعارض...

فعلا...مع أني مللت من الاستماع اليهما...لكن ارتباط المعلومة باللغة في افادة القوة امر ملموس..لا أريد ان افكر الآن في مسألة الكلام و خلق القرآن...لكن ما يحدث الآن هو تفوق ظاهر لشباب الفايسبوك في امتلاك أزمة البيان الهندسة الواقعية للكلمة ..على نوع البيان الذي يمتكله النظام في مواجهتهم لمحاولة ابقاء الجموع ما أمكنه في حلمها الوردي الذي صنعه لها...البيان و التحرر...الرحمن علم القرآن..خلق الانسان ...علمه البيان...يا لغبائك يا جابري رحمك الله على أي حال...لا أحب ان أسلبك حظك من نفسي من الرحمة فكيف بحظك من رحمة الله...

فاللغة سواء كانت رموزا او حروفا او ارقاما تكمن أهميتها بلا شك في استحالة الوعي بالوجود من دونها...هذه الاستحالة التي أدركتها بشكل كوميدي مضحك المدرسة الوضعية حين حاولت الاستعاضة عنها و عن مطباتها باختراع طريقة تفاعل جديدة مع الوجود..فوضعت صفخات من الرموز لتفسير كلمتين عبرت عنهما اللغة ...رفعوا الراية البيضاء متأخرين..لكن ما لم يتأخر ظهوره ..ان اللغة قيد لا فرار منه لمن يريد هندسة اي معنى للوجود...و ان تاخر بعدها كثيرا ان ينتبهوا ان الوجود نفسه...انما ينبني صورته في الوعي باللغة كما ان هندسته او بالأحرى برمجته لغوية لا تختلف عن بقية البرمجات.....كون بني ...بكلمات...او بكلمة...مشكلة اللوغوس...و كلمة الفطرة .كون.مفطور...فطر السماوات و الأرض...او على حد تعبير الألماني المخترع لأول حاسوب...أن الكون ما هو الا سجن حواسيب عملاق...علمه البيان...الشمس و القمر بحسبان...بحسبان

- و ما ادراك ان منفذا ما غير موجود..أي كون لا نهائي او ربما لا نهائية في العد
-ان استطعتم ان تنفذوا...فانفذوا...اينما تكونوا يدرككم الموت يا شاطر.....فالعمليات الفيزيائية و الكيميائية لكل العناصر الحية في الوجود تحكمها قوانين الترموديناميك..والقانون الأول يقول: أن مصيرك حتمي الى الفناء..و القانون الثاني يقول : أنك لن تستطيع التحكم بمصير الطبيعة فكيف بمصيرك أنت؟ و القانون الثالث يقول: ان مفارقة الطبيعة و الهيمنة عليها مستحيل...و القانون الرابع يقول: لا مفر لك أبدا من هذه اللعبة...

يبدوان مصممان على ادخالي في نقاشهما...و ان كان علي أن أعترف انه في الصميم...فمشكلات البرمجة لغوية كانت او رقمية او ايحائية لأي عملية تقتضي معالجة ما في الحياة من ارادة و حركة...مصادرها تجتمع في شق الفضاء او المكان لتقدير حجم الذاكرة و في شق الزمان لتقدير عدد الخطوات لكي تحل الاشكال و من ثم تحديد الخيار الصحيح بين الايجاب و السلب..الاثبات و النفي...الزقاق المظلم لكن سكانه من معارفي..و الزقاق المنير لكن رواده منكرون...أي خوارزمية يمكن ان تبرمج مراجعة لاحتمالات الخطأ و الصواب لا بد ان يبقى بسبب محدودية تلك المصادر قدر من الفارق الزمني لكي تتمكن نفس البرمجة من الحصول على الاجابة بالخطأ او الصواب ..و كلما كان حجم المعالجة أكبر زاد حجم الفارق..ما يطلب من المبرمج قدرا اكبر من الاحاطة للقدرة على البيان بلغة البرمجة...و من هنا كانت تراتبية العالم و الأعلم منه او المبرمج و الأكثر قدرة على البرمجة منه...و من هنا لانهائية الكلمات...و من هنا كانت كل المعلومات المبرمجة في الكون على شكل كلمات امر ...كان تلمسها و استشعارها كما تستشعر لوحة الكترونية لمسبار النفايات الكونية..أقوى من مجرد ملاحظة العلاقات بينها.في التغلغل الى الفطرة او رقاقة البرمجة الأولى..سمه حدسا او كشفا او ذوقا...لكنه متضمن للنظر العقلي و لا يضاده..و ان كان اصعب في التحكم و الملاحظة لكن اثره اطول و أقوى كأثر النقل بالتواتر...و لهذا كان نظرية المعرفة الاسلامية صلبها علم الحديث القائم على ان التواتر سيد الأدلة...و لهذا قال احمد انه ان لم يكن اهل الحديث هم الطائفة المنصورة فلا أدري من يكونون ؟؟ و لهذا لم يستطع هؤلاء الفراعنة الجدد ملاحظة الرياح المتواترة التي هبت على مدى عقود و عقود على شعوبهم من كل الجهات حاملة واردات خفيفة ليست يقينية في ذاتها لكن بمجموعها هي أقوى من سلطتهم المعرفية على شعوبهم التي ما عاد ممكنا تسيرها بنفس طريقة عقود عبد الحليم و ام كلثوم...

لكن المشكلة كيف تنتقل رياح هذه الكلمات او المعلومات او الواردات او الشيفرات او سمها ما شئت من الكون و الوجود و الواقع حتى تصل الى الوعي الحدسي المعاش عبر لغة برمجتها في المستوى الأساسي؟

- ان كان هذا الحدس موجودا عند المحدثين ايضا ..فما الذي يميزه عن الذي عند الصوفي...هذا سيجعلهما في نفس القدر..

نعم ..ذكرتني بالمحدثين و علم العلل ...حين سألهم من ادهشه اتفاق كلمتهم على رد الحديث الظاهر الصحة...فأجابوا: لا ندري...لكن نرى للحديث الباطل ظلمة و نرى للحديث الصحيح نورا...
من بعيد أغشى عيني ضوء السيارة الشيفروليه ناظري...يبدو انهم فرحون بالحدث...فاستخدامهم لنور السيارة ايقادا و اطفاءا دون صوت ...مشعر بحب الاحتفال الصامت بحذر...نعم...النور...الضوء...كيف لم أتنبه لهذا من قبل؟؟ انظر الى كم المعلومات التي وصلت بقدر منضبط من السرعة بمجرد اطفاء و ايقاد لضوء...
اطفاء ايقاد..سالب موجب...صفر وواحد...ظلمة و نور...نفي و اثبات..لا اله..و الا الله...تناغم البرمجة و المعرفة و الذكر..فذكر..ان الذكرى تنفع المومنين...فبرمج.....و النور او الضوء هو الجامع بين مظاهر الوجود المعرفية....
المعلومة/الكلمة....المادة /المقدار... الطاقة /الارادة
ففي نسيج كالسجاد الممتد الذي تبدو فيه الأرض كحلقة ملقاة في أرض فلاة...و هندسته المتكاملة منذ القدم بتداخل القوى الثلاث التي بها قد امسكت السماوات والأرض ان تزولا...الجاذبية الكهرومغناطيسية و النووية...يبدو النور او الضوء..المرشح الأكبر للعب دور القاسم المشترك بينها جميعا...دور الحبر الالكتروني الخفي الذي يكتب به قلم الخلق ...ليس غريبا انهم منذ مدة ليس بالبعيدة توصلوا في جامعة هارفارد الى تحويل المادة الى نور و النور الى مادة...او بتعبير المشرفة على هذا الانجاز الصامت غير المسبوق : نستنتسخ المعلومة من الضوء الى المادة دون ان نفقد الطاقة خلال هذه العملية.....
ضحكت كأحمق في الزقاق لم يثر استغراب أهل الحارة ....فقد سبقت أمثالها....نعم ..يبدو واضحا الآن....لقد كان واضحا منذ الجدال الكوانتي في ماهية الضوء اهو موجة ام فوتون...كان يحتاج فقط الى اثبات تجريبي...و ان كان في جوهره لا يختلف ما اثبته علم البصريات الالكتروني في قدرة الضوء النادرة على نقل المعلومات عن ما ذكره ابن الهيثم و اضرابهم في فلسفة علومهم...بل هذا هو الذي يشاهده كل اعرابي و هذا البائع و كل الناس حين يتلقون المعلومات يوميا مع كل انفتاح لأعينهم...ربما لهذا وضع رمز حورس رمز العين في هندستهم لقمة الهرم الوجودي الفرعوني الذي يظن هذا الثمانيني انها ستدوم له منها ما لم يدم لهم....و كذلك عملية النقل...لا تختلف في جوهرها عما يصل الى جميع آلات المعرفة فينا من الحدس الى العقل الى الحواس من آثار اللغة و الترميز عبر خصائص الضوء..لا يزيد في شيء عما أثبته الخوارزمي و أتباعه من خصائص التشفير على منطق الجبر البولوني في البرمجة البسيطة....
في كل هذ النسيج من النور...من المنطقي جدا ان تكون نفط الاتصال من المصدر و المنبع عند هذا النسيج هي الأكثر كثافة ...هي الأكثر اشعاعا بالنور...و بالتالي أكثر كثافة معلومات و أكثر مادية و اكثر طاقة....و بحسب القرب من مراكز النور / المعلومات/ الاتصال هذه ...يكون القرب أكثر من الصواب و البعد أكثر من الحطأ في نسبية متكاملة تراعي جميع ابعاد المعرفة بما فيها بعد المراقب...فقط يجب العثور على جهة هذا المركز.للوصول الى ما يوافق الرقاقةالأولى المعبئة بالمقدمات الأولى..أو بعبارة أخرى فطرنا عليها ...لهذا كانت كلمة السلف قوية : مصادر المعرفة اليقينية هي فقط الفطرة...و الوحي.....هما كقطعتي البوزل...واحدة فارغة و الأخرى توافقها..و حياتك هي لكي تبحث القطعة عن مكانها..
يا ايها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وانزلنا اليكم نورا مبينا
نورا...و البيان و اللغة...قفزت صائحا دون شعور في دهشة من المارة المسرعين...أنزلت قبعتي بخجل و تابعت طريقي...
انا انزلنا التوراه فيها هدى ونور
واتيناه الانجيل فيه هدى ونور

الحمد لله....كما افتتحت السورة الوحيدة التي أنزلت كاملة و انزلها جملة كبيرة من رسل النور من المخلوقات المخلوقة من نور
الحمد لله الذي خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون

-ما أخبث دخولك من باب النصيحة...تسأل عن الفرق بين المحدثين و الصوفية...السند يا روح أمك ..لولا السند يا خبيث لقال من شاء ما شاء...

أحسنت ...هذه المرة ضربته ضربة قوية..نعم المرجعية و تجريد المتابعة و الاعتصام بها و نبذ التقليد...تصحيح القبلة الى نقاط النور و كراته القوية الساقطة على نسيج هذا الحلم....مكونة نقط الاتصال بين العالمين...هذا هو الذي يقابل الاستلاب من الواقع بالمرجعية الأصلية ..و تعيد الثقة لعقلك و حدسك و حواسك و من ثم لكل الواقع المعاش...و بدون هذه الثنائية و في غياب احد طرفيها ...تنقطع صلة قوى الادراك في النفس العاقلة بكل الواقع ..او بعبارة بسيطة..الانتحار او الجنون او كلاهما...و لهذا كان قول ائمة الملاحدة و محققوهم ان الجنون آخر مقامات الملحد...
هذا هو الذي أدى بدانشمند الى مرحلته الأخيرة من الاشتغال بعلم الحديث و البخاري على صدره...أيكون الشك الابراهيمي الذي ترقى بدانشمند هو ما جعله يشك أيضا في عصمة الحدس الكشفي كما شك في عصمة الحواس و العقل و توصل الى ان لا معصوم من آلات المعرفة ؟ أيكن تجاوز لايبنز بغروره اللوغاريتمي حين قال ان البرهان العقلي الصحيح ضمانة من ان يخدعنا الوجود ؟؟ ؟؟أيكون أدرك ما فات لايبتنز و سبينوزا من أن النظام المعرفي كما النظام الوجودي ممكن لا يثبت بنفسه؟؟ أيكون سقط على نفس الاستنتاج الذي سقط عليه أحد أصدقاء العبقري أينشتين ...غودل من ان أي نظام رياضي ثابت يستحيل ان يثبت من داخله ما ادى بأرسطو العصر ببرتراند راسل ان يمسك برأسه بعد ان أجهز هذا الشاب على طاغوته الرياضي الطوري الأكسيومي في امتلاك الحقيقة؟؟ مثبتا ان اي نظام رياضي ممكن لا يمكن ان يكون ثابتا و كاملا في آن...وهو ما أثبت أن أوروبا بقضها و قضيضها أساءت تقدير ابتسامة موناليزا ديكارت؟
أكان دانشمند في آخر حياته بهذه الجرأة النيتشوية من التعالي على كافة الوجود الممكن ليبحث عن نقط اتصال من خارج هذا الحلم /النظام /الواقع يثبت بها ؟؟ فألقت به الى البخاري و مسلم و ابن خزيمة و ابي داوود و الدارمي و ابن حنبل و غيرهم ممن دعوا بالحشوية ..و ما نقموا منهم الا ان يقولوا : فوق السماء رب؟؟

هـــــاليلويـــا....هاليلويـــــــــــــا ...ربما هناك اله فوق ...و كل ما تعلمته عن الحب...

أفسدها هذا الجون ورب الكعبة...لم يدرك الفروق التي بنيت عليها القصيدة بين شك و شك و يقين و يقين..فجعلها بنظرة ارسطوية مغرورة درجة واحدة..لاأستغرب اذن ان يـأذن له صاحبها اليهودي بتغييرها..فلا بد أنه علم ان هذا الغالي المغرور لا يدرك ان التفنن في اختراع اساليب جديدة في موسيقى المعازف لا يؤهلك بالضرورة لفهم موسيقى الوجود...
ألا توافقاني؟؟
لم يقطعا صمتهما و كأنهما اتفقا أخيرا على أمر...
لكن انتظر...هذا هو معنى المتجهة المخددة للفرق الجامع و الموجهة لاتفاق النورين : الفطرة / الرقاقة و الوحي/ الاتصال..هذا هو اذن..المباينة...هذا ما كان يبحث عنه دانشمند....و ما ابتغاه افلاطون من الأول...مباينة عالم لعالم آخر يثبته....العلو...هذا ما كان يبحث عنه نعم...العلو...هذا الخلاص مما حرفه أتباع الهرمس المثلث من لوحته الشهيرة: و هكذا يصير ما كان عليا سفليا..و ما كان سفليا عليا...اجهاز على المتجهة التي تحدد قبلة العلم و الايمان معا...ذات ايست...لهذا ركز المحدثون في استنكارهم على هذا الفيروس الجديد على قضية العلو...يـــيس...فأنواع التأويلات البوليسية هي عبث في البرمجة..و الفيروسات ما هي في الصحة كما في البرمجة الا وضع للكلم في غير مواضعه...لهذا تكرر عند الشافعي وهو المعاصر لهذا الاختراق...مثال القبلة الذي بنى عليه هذا الامام نظريته في المعرفة في مواجهة هذا الاختراق الثقافي...ليستحق ابن غزة الصمود هذا لقب المجدد بلا منازع....فول وجه شطر المسجد الحرام ..فطرة الله ..فطر الناس على هذه الجهة...جهة العلو...دليل الكمال....ثم و لله المثل الأعلى..و لهذا ربط الفطرة بالجهة و القبلة...قد نرى تقلب وجهك في السماء...فلنولينك قبلة ترضاها...فول وجهك شطر المسجد الحرام...و أينما كنتم فولوا وجوهكم شطره..فطرة الله ...أعتقها فانها مومنة...

من آيات صاخب الدهر ..أن يكون خروج هذا الرجل بين اهل الرأي و اهل العبادة ...كأن تذكرة لما سيتطور اليه هذا الفيروس/ الفكرة مع الزمن فيهما حتى تبعدهما عن اصل الوحي.. هذا من من عجيب تصرفات صاحب الدهر
رحمك الله يا شافعي...رحمك الله يا ابن المبارك ...رخمك الله ياابن هارون...الآن أدرك لماذا قامت ثائرتكم حتى كفرتم من قال بنفي العلو....كانت اشارة حاسمة على ان هؤلاء و فكرهم هو من خارج منظومة الأمة المعرفية و انهم لا يدخلون بحال في هامش الاختلاف المضمون بين كافة الآراء في الأمة و التي يضمنها حق الرد الى الله وو رسوله...و لهذا نبهوا انهم لم يكن لهم من العلم شيء و لا عرفوا بالعلم و لا اشتغلوا بالآثار و لا لهم التزام بثوابث الأمة ختى تعذرهم في اختلافهم كما يعذر بعضهم بعضا ...لم يتعرضوا ابدا لنور الكلمات التي لا تنفذ ووارداتها التي وحدها توافق الرقاقة الفطرية المبرمجة و وحدها الضامنة للعصمة...بكلام نبيها صلى الله عليه و سلم في مثل ما جاء به و مثل الناس من الحجارة الى الأرض الخصبة... كانت ثورة على ان تسلب ارادة الأمة ....و ان تتحكم فلول الحضارات المعادية لها في خيارات ما بعد ثورتها..من خلال سلب تصورها ...من خلال غرس فكرة...فكرة واحدة في بدايات مسلماتها...و سلب ثمار ثورتها ....و من ثم سلب كل واقعها و حريتها
و الأفظع...سلب أحلامها و حتى قدرتها على الحلم
-و ما الذي يضمن لك ان ذلك الوعد من وراء الحلم ليس الا وعدا من قبيل الأحلام ايضا
- قد قلت لك ان هذا الخناس لن ينته..في ثلاث مواضع من كتابك لا رابع لها ترشدك لكي وريد الجدال معه...يسأل بصفاقة كيف تضمن و كأنك تتحدث عن مخلوق لا عن خالق الحلم و الواقع اي عالم الغيب و الشهادة معا..هذا هو نفس سؤاله السفسطائي الذي يلجأ اليه كلما هاجمه اليقين يصوره بصور مختلفة لكن دائما هو نفس السؤال : هذا الخالق خلق الخلق فمن خلق الخالق؟؟....كل شيء ملكه فلا ظلم و لا حكم الا له و علمه وسع كل شيء فلا يضع شيئا خلاف موضعه فلا ظلم...ألا ترى سؤاله هذا كمن يرى رأسه مقطوعة في حلمه؟؟ماذا تنتظر ؟؟
نعم ما الذي يضمن لي؟؟ هي كلمة قالها لي...من يضمن لي كلماته؟...هنا منتهي الأقدام....و هنا لا شيء الا ما رفعت منه الأقلام و جفت منه الصحف مما لا يعلمه أحد لحد الآن...شقي و سعيد...تذكرت كل آيات الكتاب...هو قال انه ما فرط فيه من شيء...فلا بد أن يكون ذكر أمر سدرة المنتهى هذه...وقفت امام الباب...صمت و سكون و توقف كل شيء...تحركت ابتسامتي...لم تخيب ظني...هذا هو....
حسن الظن...كان دائما هناك...حسن الظن..ما حكته رابعة عن نفسها حين كانت متهجدة فقالت يا رب اتعذب نفسا أحبتك..فناداه الهاتف أن احسني الظن....نعم صدقت يا حي...صدقت يا حي...انها تجارة رابحة...تبيعني يقينا بنفسي و بعقلي و بحواسي و بوجودي كله...و أبيعك مجرد ظن بك...ما أكرمك و ربح البيع يا حي...
الله نور السماوات والارض مثل نوره كمشكاه فيها مصباح المصباح في زجاجه الزجاجه كانها كوكب دري يوقد من شجره مباركه زيتونه لا شرقيه ولا غربيه يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الامثال للناس والله بكل شيء عليم ...
-ماذا أنتظر؟؟ فقط أن نصل الى باب البيت..فأنا متشوق لرؤية صور سقوط الفرعون...و أعدك انه سيبيت هذا اليوم أيضا بلا عشاء...

قلت بسم الله ...و أغلقت الباب....و انطلقت ضحكاتنا الشيطانية

V - يوميات حائك : الصبر و اليقين 1-2

"الناس نيام . فاذا ماتوا انتبهوا "
علي بن أبي طالب




الصبر و اليقين (الجزء 1)



السلام عليكم و رحمة الله..بدأت احس بنوع ضوء يدخل..أقفل عيني ..و أفتحهما في رمشة..لعلي أستطيع استيعاب كم جزئيات صور أركان المسجد التي تتراكم على دماغي مع ايقاد الأضواء من افواج الناس الذين دخلوا مباشرة بعد انتهاء جماعتنا...كل ذلك خلف في نفسي راحة أصبحت أحس بها اكثر فأكثر بعيد كل صلاة...السلام عليكم و رحمة الله
-لا يجب ان تنصب قدميك معا عند الجلوس..يجب ان تنصب واحدة فقط
نظرت الى عويطة القهوجي و هو يرتب الكؤوس بخفة في الغرفة شبه المظلمة كالقبر بجانب المسجد...عجيب كيف تتأقلم الحواس البشرية مع محيطاتها
- يجب يا أبا عبد الله ؟؟
يعجبني فيه ابتسامته الدائمة و صمته ...و لا أدري كيف يجتمعان فيه مع قلة معلوماته و حماسه الى حد التصلب احيانا..مع ان العادة انها لا تجتمع..

- هي السنة يا سيد..

السنة التي انتقلت -في نظير قنوات نقل القرآن لكن برتبة ادنى- كمعلومات مثناثرة في النسيج البشري عبر الزمان و المكان.. في أرشفة تمت تركيزا و انتشارا ثم تركيزا تارة اخرى ثم انتشارا.. حتى يتيسر لكل أحد الوصول اليها دون ان بتمكن احد من الاحاطة بها -كما يقول الامام الشافعي-و من ثم التحكم بها و استغلالها و تحريفها لمصالحه...ربما يرد فيها بعض ما يمنع من الجزم بهيئة واحدة من هيئات الجلوس..

- انظر كيف اجتمع المشعوذ بالساحر...

قالها أحد البزازين لأصحابه بصوت لا يساويه في انخفاضه الا معناه...ظنا منه انه لن يبلغ مسامعنا و نحن مارون بمحله الا ضحكاتهم على ما نبزونا به...أنا من جهتي لم يؤلمني نعتهم لي بالساحر اذ ليس منهم من يواجهني بها الا و ألقمته الحجر..لكن يؤلمني رؤية أبي عبد الله متألما أن لم يقدروا حسن تدينه..فهو يعلم انهم ما نبزوه بالمشعوذ الا لعنصره المنحدر من اواسط البلاد من قبائل اشتهرت بالشعوذة...مثل هذه التفاصيل اليقينية تزيد من تجلية صورة النبوة التي وضعت في ذلك الرجل المبعوث بين القريتين و ترفعها أكثر فأكثر في نفسي..نعم هذه من أربع خصال من أمر الجاهلية الجهلاء لن تتركها هذه الأمة في سبيل تحقيق دولتها المدنية البعيدة عن جاهلية القبائل..و التي ان أراد العالم الاحساس بها فضلا عن معالجتها فلا بد له من النزول الى ظلمات العوام ...الأفضل ان لا ابدي احساسي بألمه و اتركه حتى نصل للمحل و المامبو الخبير في اخراج ابتسامته كما عناده ...مررت على الجنرال لأخذ الموبايل و المفاتيح دون ان يشعر بي ..فهي لحظته التي لن يطيق فيها ازاحة عينيه المتسمرتين على التلفاز و أخبار المظاهرات

يوم طويل آخر بدأت ستائره تسدل..فكرت و ان اسدل الستائر و اقفل الأبواب ..بين يوم و ليلة يمكن ان تفتح ابواب و تقفل أخرى في السماء كما في الأرض...فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين...أشم رائحة دخان..لاأريد أن ألتفت..بليـــز لا تكن هو...

-حـــــــــــــــي ..!! الجسد في الحانوت و القلب في الملكـــــــــــــــوت....

أدرت ظهري كأني لم أر و لم أسمع و لن أتكلم ...فلأواصل اغلاق الستائر و لأصلي ليمضي قبل ان يأتي أحدهم ..منك لله يا بهلول على لحظات الرعب هذه التي تجبرني على المرور بها...لم أعد أشم رائحة دخان...لكن أسمع خطوات تقترب..

-أرأيت آخر اختراعات أصحاب اللحي هؤلاء
أخزيت يا مامبو سائر اليوم فقد أفزعتني...ما كدت أقفل حتى اندفع الزوج بنقاشهما الجديد..هذا يفسر لم احسست بأني سأدفع ثمن التسرية عن ابي عبد الله...
-هذا المجنون يقول ان المظاهرات محرمة
كالعادة المامبو مندفع و أبوعبد الله مبتسم لكن كلاهما يبدوان متفقين على عدم اعتبار احتمال صواب مخالفه
- لا علم لي بالدين يا متشردين..تعالوا و تناقشوا في الفيزياء في الفن في الرياضة و سـأكون أكثركم عنادا...لكن الدين الخطأ فيه ثمنه باهظ
لا أدري لم ..لا و لم و ربما لن ينفع قط ما قلته في ان يردهم عني في مثل هذه المواضيع...و كأني لم أقل شيئا....
- قل له..و ما ستفهم انت فيما يقوله العلماء قلت لك: نحن تبع لهم..رأيهم أحسن لنا من رأينا
رفعت برأسي موافقة له على المبدأ العام...
- ..نعم علماء تحريم البوكيمون
أثارني أنا ايضا هذا التعليق و لم أستطع حسر نفسي عن أن أقول ما ينقض حيادي الظاهري..
- نعم..حين يحرمه هؤلاء يكون سفاهة..و حين يحرمه كتاب أمريكيون في سوث بارك للتحذير من الاختراق الثقافي الياباني يصبح زين العقل و النباهة عندك... صح؟؟
أضحكنا ابو عبد الله حين سأل ان كنا نتحدث عن جمعية كتاب أمريكية تكتب في الحدائق العامة في جنوب أمريكا...و ان كانت الهدنة لم تطل حتى بدأ الاشتباك مرة أخرى..
- هات لي شيخا معتبرا أفتى بجوازها..
- الشيخ مصطفى..قل شيئا عنه و سأجعلك فضيحة
- لن أقول شيئا عنه..هو ممن درس العلم مع الشيخ ربيع في الجامعة الاسلامية ..لكن الشاذ لا حكم له

شعرت أني سأبقى رهين المحبسين ان تابعت النقاش و الفضول يكاد يقتلني...حاولت حسم النزاع بقولي أن الحق مع كليهما ...
- لابد أنك أكثر جنونا منه...كيف يكون الحق مع كلينا
تركتهما على وقع كلمة قلتها انا و المامبو معا...مع فارق وحيد..أني قلتها في نفسي و هو صاح بها ساخرا :
-غبي...

اندفعت وسط المطر الذي يبدو أنه ما عاد يتأخر عن موعده منذ سنين و كأن السماء تنذر بنبأ عظيم...و الليلة مظلمة دون قمر..و الدنيا خالية من الناس..أسير وحيدا بخطى سريعة.. وضعت الراديو لسماع الأخبار أين وصلت الدائرة...لا شيء في الوطنية غير الاعلان عن تأجيل مباراة ...يا لهذا التوقيت مرة أخرى...أفسدوا علينا الاستمتاع بمباراة نجومية لا تحصل الا مرة في العمر..لابأس فلنغير على القناة الأمريكية...يخترق صوت سعاد الجزائرية مسامعي بأغنيتها الخير و الشر في أواخرها...و كأنه يحاول تهدئة الأمور في هذ الليل..و المزن يزيد من تصويب طلقاته على أهل الأرض ...كدت أصطدم بمنصة يسحبها صاحب محل أقراص الديفيدي خوفا عليها من البلل ..رمقت عيني اشهار فيلم "الفطرة" ...
- هل تفكر في ما أعدت قرائته اليوم في المنقذ من الضلال ..عن الناقض للثقة بالعقل؟
أهملت حديثه و لم أحب التفكير فيه...فالفيلم يتطرق لاشكالية عولجت منذ عهد الفراعنة الذين جعلوا مصر جنة تسري من تحتها الأنهار و رغم ذلك ما بقين و لا بقوا ..من اشكالية الموت و الوجود و النوم و الموت...و ارتباط كل ذلك بالانية في الفناء او العدمية...و ارتباط كل ذلك بالعلم و عزلته..و كيف لا..بالعلماء ...كثيرا ما بدت هذه المسألة للناس كمتاهة بقدر متاهة الحياة نفسها..كمتاهة حدائق الأندلس التي تضيع في مسالكها الدقيقة على حد تعبير ابن السيد...
- أليست مصادفة غريبة ان يختار مدير التصوير مدينتك التي ولدت فيها كأنسب موضع للتصوير لمتاهتها المعمارية؟
أجبته ربما...و أمسكت بقبضتي كرسي كسيح كان يدفع كرسيه بلا جدوى مع الانزلاق الذي كان يحد من تقدمه أمام جحافل سيول قطرات الغيث...فلندفع بالموضوع الى الأمام...القصة تعرض لها الكثير و هي مشابهة لمسرحية كالدرون دي لا باركا الحياة حلم..و قدر سيجيسموندو بين الحلم و الواقع فيما يشبه قدر زينهم في مسرحية الزعيم...لها أصولها في ديانات الهند و ايران و اليونان و مصر و بني اسرائيل...
هاليلويا...هاليلويـــــــا...أغنية أخرى في هذه الاذاعة الأمريكية و كأنهم يودون ماأمكن تأجيل الأخبار...لكن على الأقل تعيد الي ذكريات شريك الجميلة..هذا الغول المضحك الدميم المنعزل
- دعك من هذا الهماز..كل شيء بقدر...فكان ماذا؟
ألا تكفيني لمة هذا حتى تضيف علي أنت لمتك بقولك؟؟..و الكسيح صامت ليته يتكلم ..ألن تدعاني بسلام انتظر الأخبار بصمت؟؟...ليت هذه اللحظة تمر علي كمرورها على من ظنوا أنهم لبثوا يوما او يومين مخترقين بنومهم جدار الزمان و المكان..
هؤلاء الفتية بعزلتهم في الكهف ..سورة كاملة باسم الكهف..هربا بتوحيدهم..هذه القصة التاريخية التي ذكرها غيرما واحد من مؤرخي الروم السريان كما قال الطبري و وجد مصداقه في كتب بعضهم..كما لو أن العزلة المتحدية للقدر بتوحيد الدعاء و الطلب و القصد في عدمية الوجود تصنع و تغير الأحداث في التاريخ على يد الفتية..الشباب ..ذوو القلوب المرهفة..هؤلاء الشباب السبعة في برد أفسس..و ذلك الشاب الوحيد في ليل حران...و ذلك الشاب الهارب في صحراء سيناء...و الشاب السائح في قيظ ساعير...و أنت ايها الشاب المتأمل في أعالي فاران...لا عجب اذن ان تكون وصيتك قراءة أول عشر من آياتها على أكبر فتنة لفلسفة الكهف الفرعونية منذ خلقت هذه المصفوفة..و طبعا سيكون مضيعة للوقت تخمين فئة العمر التي ينتمي اليها اول من سيشكل تحديا حقيقيا لهذا الديكتاتور المتلاعب بهندسة الوجود المعمارية...كيف غاب عن المهندسين لشوارع هذه المدينة الصغيرة أن يضعوا في جسابهم وضع منحنيات على الأرصفة..ان كان رفع كرسي الكسيح على الرصيف يكلفني كل هذا الجهد فكم سيكلفه هو؟؟ فلأعبر الشارع قبل ان يتوقف الرجل الأخضر في اشارة المرور عن جريه السريع..يغيظني هذا التماطل في ايراد نشرة الأخبار و هذه المقطوعة الغنائية البطيئة التي تبدو بلا نهاية
..
أتذكر حين كنت أتحرك اليك..الظلمة المقدسة كانت تتحرك أيضا...و كل نفس استنشقناه كان هاليلويا.....



توبي كونتيود

IV - يوميات حائك : مقياس كل شيء

أشتهي ما لايكون..أشتهي مكانا لا يكون فيه أحد من الناس.
أحمد بن حنبل





مقياس كل شيء






خمسة عشر في المائة..خمس و عشرون في المائة..سبعون في المائة..سرعة تقدم الوحدات الزرقاء لمقياس التحميل تبشر بحسن اختيار موقع طريق الاسلام للخادم لايصال المعلومة في هذا العالم الافتراضي الكبير...فلنر ما سيكون من مقتطفات هذا القارئ الجديد...تسعة و تسعون في المائة...
-دورك يا قرصان..لدي متهم جديد ينتظر التحقيق
لبثت زمنا قبل أن أجيب بنعم...عجيب كسلي هذا...السيدة كروان لم تتلكأ و لم تتاخر قط عن اخذ قياسات النساء عندي ...مع انها لخبرتها تعلم ان عدد النسا ء من الزبائن اضعاف عدد الرجال ..و بعدها اتهكم على شكواها المتواصلة من لؤم الرجال...سأشغل المقتطفات و ارفع الصوت و استمع من الجوار...
أخذت شريط القياس و جلدت به في الطريق البامبو الذي لم يفلح سوطي في قطع نقاشه الساخن مع أبي عبد الله حول سلسلة القادمون الا بقدر سبة أضحكتني و اقامت دنيا ابي عبد الله عليه و لم تقعدها...
اوه ماي جود...قلت للسيدة كروان دون صوت بعد معاينة المتهم و هي تعرفني به و بصداقته للجنرال...
هذا سابع زبون بدين...و كأننا لسنا في أزمة غذاء عالمية حادة.. ربما ما قالته المستشارة البلهاء ميركل يكون صحيحا من ان سببها هو ان العالم الثالث اصبح يفرط في الوجبات
-الأخ زوجك؟؟..
و فضولي أيضا؟؟!!لا أستغرب اذن عنق القميص الصدئ هذا و انا اقيس عنقه الذي لا شك لا يدع الاحتكاك بثوب قميصه من كثرة الالتفات...
-لا ليس زوجي قالت السيدة كروان و هي ضاحكة...ابنتي في مثل عمره ...
نعم ...بدين ..فضولي و أعمى أيضا!!..
فلأرى ان كنت سأستطيع قياس ما اذهب منه الفطنة..
-زوجيها له اذن...
ربما لا يكون سيئا جدا كما تصورت...ابنتها ذكية و ذات تحصيل علمي عال...
-رأيه سيء في الزواج..اسأله ربما تفهم منه ما لم أفهم...
انتهيت بعد ان كنت اظن اني لو كلفت بقياس محيط الأرض على طريقة بني موسى لكان ايسر..و أعجب من بدنته سرعة حركته و هو يأفل من الدكان..
-ما لاأفهمه أنا كيف يكون رأيك في زواج هذه الأيام ورديا بهذا الشكل ..
..قد تركها زوجها لحظها أياما بعد ولادة مولودهما في مدينة الضباب و لم تجد الا دكان ابيها كافحت فيه ربع قرن حتى كسبت سمعتها في المحلة
- مستحيل ان يكون قياس الكتف بهذا الطول...
-و هل ترك الشره فيه معقولا ..
سألتها فجأة بعد أن قيدت قياسات الزبون في المحضر...:
-ما تظنين؟ نحن أفضل أخلاقا ام الغربيين؟
استمرت في الحسابات التعديلية..و كأن السؤال لم يفاجئها...و ان كانت امرأة لا تنفعل و لا يظهر عليها اثره
-كثيرون منهم لطفاء..مظهرهم لطيف...زوجي كان لطيفا جدا..
زوجها نشأ في الغرب...لاحاجة لأن تكمل اذن... استويت بقصد على دكتها التي يغيظها من يجلس عليها..بينما أحاول صرف وجهي عن ممر الشيخ بهلول من امام المحل فلطالما صلقني بعباراته التي لا يضاهيها في حدتها الا بخوره .. ..
- ربما الوحدة التي عانيت منها كروان..هي التي يحتاج لتذوق بعضها المسؤولون عن بث الكرامة و الأخلاق فينا
خرجت ملتفتة يمنة و يسرة الى أن استقرت نظرتها على دكان الجنرال...
-اذن فهذه الفلسفات هي التي أخذت بذهنك حتى ما أتقنت عملك
خطفت متر القياس من يدي و ذهبت الى محل الجنرال لتستشيره في تعديل القياس فلربما البدين ما زال عنده او لتشتكيني ربما..تذكرت مع رؤيتي للمتر في يدها يترنح قولة سولون لطالبي الخير الكثير الذي يأتي من وراء الحكمة : أوجد مقدار القياس..بتوافق ملفت مع وصول قراءة الى مسامعي لقوله تعالى وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ...و صوت من بعيد يبعد اكثر فأكثر كلما استغرقت في التفكير :
-وان عدت ووجدتك على دكتي....قتلتك
ما يفتقد في علماءنا اليوم مما قد يجعلهم قادة و اولياء امور...هو ما يفتقد اليوم في المثقفين و وجد في العلماء القدماء الذين هم اقرب الى روح المثقف المعاصر الطلائعي التقدمي..ما ألمسه في عامية كالسيدة كروان من عزة الوحدة و كرامة العزلة مع ان الأصل في تصرفات العامي الاختلاط و التواصل..و ما المسه في بهلول من الاهتمام و حسن المداراة مع ان الأصل في العابد العزلة و الوحدة...يقبع بينهما شبر او متر..او ذراع...او وجود كامل..لا يحسن قياسه الا العالم المثقف الجامع لما بينهما..رغبة هذا القياس قد تنبع من نفس طبيعة العالم القلقة الشاكة على حد تعبير عبد الرحمن بدوي التي تملك ذلك الشعور المتطور و المطور للأمة المومنة ..و ان كان جانب الصواب في اختيار نماذجه في مقابل تبرمه من النموذج السني السلفي انطلاقا من مجانبته الصواب في اعتبار الرمز الديني و كلمات الله اللامتناهية قابلة للتفسيرات اللامتناهية و المتناقضة في نفس الوقت لا المتآلفة بنص القرآن الذي ينفي عنها التناقض في كل مستوياتها من الانشاء الى التأويل..و لو كان تنبه آنذاك لنظير الأمر الشرعي من الأمر الكوني من وجود الجوهر مع انقسامه الى ما لايتناهى في ادراكنا لأدرك الفرق بين شك و شك ..هذ الشك الابراهيمي الذي لا يترك قلب العالم بطمئن ليقين حتى يرمي به من جديد في فضاءات الكون و الخلق و الأمر بحثا عن يقين أكبر و تحسين القياس الموجود في نفسه و الذي به يقيس الموجودات .حتى يصل الى تحسين الصورة الذهنية و النفسية عن ظواهرية الوجود مع كل تحسين لمقياس نفسه..و هذه الدورة بين النفس و بين الأمر الكوني و الشرعي هي التي تشكل عجلة تمنح العالم مع دورانها نوعا من التماهي ارقى من تماهي العامي و العابد مع نفس المحيط و تأثيرهم فيه.. يجعل العالم وسطا بين نزق و تهور العامي و ركون و انزواء العابد...عالما حركيا فيه شجاعة و استقلالبة و حرية و مسؤولية ناتجة عن خلطة الفضول المعرفي عند العامي و اليقبن العبودي عند العابد ..و يمنعه في نفس الوقت الكبر و العجلة و كثرة القيل و القال في امثلة عزت نظائرها اليوم كالمقدسي او ابن حزم او ابن تيمية او مثالي المفضل حجة الاسلام الغزالي
قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى...يبدو ان صوت هذا القارئ سيشغل ايامي المقبلة..فقد خدرني تحبيره للآية أن احس بجلدة البامبو الانتقامية على ظهري رغم قوتها...
من أين خرجت تلك القوة؟؟ كيف استطاع هذا الشعور القلق ان يسيطر على تفكيره ثم شعوره ثم وجدانه التام حتى أمرضه؟..حتى لم يعد يجد ذوقا لكل المناصب الرفيعة و الجاه عند السلطة و العوام و الشهرة الكبيرة في الأقطار حتى غدا من الشخصيات العامة في بغداد او على حد تعبيرنا سوبر ستار؟ تسافر اليه من كل الأقطار افواج الصحفيين و مقيدي المقالات لمقابلته و استجوابه فيما يشبه اللقاءات الصحفية لمراسلي الثقافة في أيامنا.. هذا مع رصيد كبير من الانجازات العلمية الابداعية و تحقيق كل ما يتمناه أي مثقف طموح في عصره متبؤءا احد المراكز العلمية الكبرى التي تتشوف اليها انظار العلماء و الأساتذة ؟ و لم تقنعه كلمات كثير من فقهاء الرسوم و فلاسفة الأوضاع كما كان يحلو له تسميتهم في وصف واقعه بأنه مزدهر..حتى صارت به يد خفية من حال الى حال الى ان اقتنع اقتناعا تاما بضرورة اعادة تأسيس كافة العلوم المسيرة للدولة لاستشرافه بين قلة من مثقفي ذلك العصر الى ما ينتظرهم من تحديات مستقبلية في مسلسل الصراع القادم امام المغول من اليمين و الصليبيين من اليسار
خرج الى البييداء و الصحراء و ترك وراءه العز و الجاه و المنصب العلمي و التعظيم و كأنه ولد من جديد في بحث عن هذه القاعدة التي تستطيع تحمل التأسيس الجديد للعلوم الاسلامية لقرون أخرى..ليعود بقياس جديد من نفسه ثم الى كل الوجود الخارج عنه قياسا لشخصية جديدة صدمت حتى صاحبه الحكيم المؤرخ عبد الغافر الفارسي الذي كان من اكثر الناس مقتا لشخصية الغزالي المغرورة المتكبرة المتعالية التي لم يضبطها مقياس مقدر يردعها عن بطر الحق ان رأته و غمط الناس...و قفزه من حال الى حال كما تقفز ابرة النقش بين اصبعي الجنرال دون ان تؤذيها و دون ان يرفع رأسه الى السيدة كروان..لاأرى البدين..فيم يتحدثان؟
هذه الحياكة بين اليقين و الشك و الوحدة و الاختلاط الذي ميز حجة الاسلام و مسيرته وجدت له توافقا غريبا يكاد يكون مطابقا كما تنبه له كثير من الباحثين..في الديانتين المجاورتين..عند القديس أغسطينوس و عند الحبر موسى بن ميمون...العجيب ان الثلاثة كانوا يحملون نفس هم الاصلاح ...أتوا في نفس لحظة الفتن و كثرة الفرق و المقالات...ثلاثتهم خرجوا من رحم الاعتزال و التجهم...ثلاثتهم دخلوا مغارة أفلاطون و استعصى عليهم الخروج منها ...ثلاثتهم شعروا بأهمية التوحيد و ضرورته للتطور و النهضة في مقابل اشكاليات الالحاد و الشرك المنتشرة..مع الاعتذار للامام الشوكاني فيما يخص موسى ابن ميمون و غفلته عن نسبية الباطل في فرق اليهود مقارنة بنسبيته في فرق الاسلام ..نسبية الحق الأقوى و المحفوظ في احدهما و الأضعف في الثاني مما ادرك صديقه القاضي الفاضل أثره في توزيع مقالات الناس و سيرهم ...و لعل هذا ما جعل حجة الاسلام يتميز عن الاثنين بوصوله في آخر حياته الى الفرق الذي لايتبدل و الأصلح لتأسس عليه كل المقولات النسبية المتغير من تلال الرمال الفكرية...و تحقيق معادلة التغيير و التجديد دون التحريف و لا التقليد...و ان كان ذلك كلفه حياته كلها..ربما لهذا كان حجة الاسلام الاسم الأبرز بينهما فيما بعد لمؤسسي النظرة الاصلاحية الأنطولوجية عند المواجهين للرشدية ..فمؤلفاته المتأخرة يبدو أثرها الواقعي في نهضات القرن السابع و الثامن الهجري جليا عدا عن نهضة القرن الخامس عشر الميلادي فما بعده..
بالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ....في صوته نوع حزن لكن ينقصه نوع تحكم فيه؟؟ ربما...
هذه الجدارية في محلي لمسجد رسمه دي لاكروا..من بقايا شغفي القديم بالفن الاستشراقي و الذي لم اجرؤ ان اكلم فيه صاحبي الأقل معرفة..حياءا من أن يظن بي بغية التعالم عليه في فنه..تذكرني بلوحة الغريب الأطوار جورجيوني..الحكماء الثلاثة...هذا الخصم العنيد المراوغ للكنيسة التي لم تكن تخفي عداوتها له لميوله التوحيدية..و تمكنه من الافلات من سيطرتها بما اوتي من الاطلاع الواسع على التاريخ و المذاهب و الفلسفات و الأساطير و قدرة على تشخيص المفاهيم السائدة في عصره والمناقضة لها في ثوب الموافق لها ...مع ولعه بمبادئ الوجود الأولى و تناغم الوحدة و الكثرة و الاختلاط و العزلة ما بدا واضحا من اسلوبه في منح وحدة منسجمة غير قطعية الحدود في لوحاته بين الضوء و المناظر و الأشخاص...كما لو انه يريد ان يجعلك تفكر في وحدة الأشياء التي يجب ان يمر بها المتدبر و المتفكر في بحثه عن القياس ..الضوء..النظر..الحقيقة..هذا التماهي في ريشته في استعمال الألوان و ما يحمله من اشارة الى التماهي بين الطبيعة/ النموذج الخارجي و بين الانسان /العالم الداخلي...التماهي هذا الذي خرجت لأجله و للتوفيق بينه و الهداية في خلقه كافة الديانات...كما لو أن جورجيوني الماكر يريد ان يرينا انتاج النموذج الباطن للنموذج الظاهر في شكل اكثر انسجاما كما تنتجه ريشته...مختصرة ببراعة كل النقاشات التي كانت تدور في فناء جامعة بادوفا حول دور الطبيعة في ربط الانسان بخالقه...
ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت...عزمت على انزال سلسلة هذا المقرئ يبدو انه وصل من نفسي الى قريب مما وصل اليه الشريم ..
سيطرة المغارة الأفلاطونية على اللوحة تكاد تكون بديهية...مع بداهة تواجدها في الصحراء لحظة بداية الديانات الثلاث...في رحلة البحث عن الحق و التأمل في الوجود عند الأنبياء الثلاثة صلوات الله عليهم...بدليل المناخ الصحراوي بين الأشخاص الثلاثة و المغارة...بخلاف المناخ الخصب البعيد في الخلفية..عزلة ووحدة و جفاف...و هو أيضا نفس حال الفلاسفة الثلاثة المتبعون للديانات الثلاث..فرحلة الغزالي و ابن ميمون و اغسطينس و ارتباطها نوعا ما بالصحراء معروفة..و لولا كثرة الترميز في اللوحة لجزمت انهم المقصودون بها اذ لم يكن في فترة جورجيوني من كان له تأثير أكبر من هؤلاء الحكماء الثلاث...خاصة مع توجههم الى المغارة..و الضوء الخارج منها...و ان كنت لا أستبعد ان جورجيوني ايضا يقصد وصف احوال الديانات الثلاث من خلالهم ..من منظوره هو طبعا..فتعابير الوجوه مختلفة اختلافا بينا...فالمسيحية شابة حالمة و تولي اهتماما اكبر لزينة الحياة الدنيا من خلال امساكها بآلتها الموسيقية...و ان كانت تبدو تائهة و غير مركزة...و اليهودية صارمة و عجوزة و ذات خبرة بامساكها لنص الشريعة في يدها و ان كانت نظرتها الغاضبة منفرة ..و المسلمة متوسطة بينهما آخذة بالوسط في كل شيء جامعة بين افضل ما لديهما..من تعابير الوجه الى الحركة الى السن..مع بعض ميل--بحسب نظرة جيورجيوني - الى اليهودية ..لكن جيورجوني في عصر كان الكلام فيه عن الاسلام بخير من المحرمات لم يكن ليترك لوحته دون ثوب يسترها..فلهذا انتشر عند الكنيسة ان اللوحة هي تعبير عن رحلة الملوك الثلاثة في بحثهم عن مولد الطفل يسوع...محزن أليس كذلك
غريب..لم ألحظ عودة السيدة كروان..و أنا مازلت جالسا على الدكة..و هي فوق ذلك تبدو كما لو أنها تكتم سعادتها...
-بدأ غضبك لجلوسي على الدكة يتحول الى فرح؟
عدلت الثوب و دفتر القياسات..و أخذت هاتفها النقال و بدأت ترقم..
- لا يا شقي ..خمن ماذا قال لي الجنرال...سوف يطلب يد ابنتي لابنه ...
لم أكن أفقت بعد من مزيج الحزن و الفرح المتعادلين عن تلك اللوحة حتى قلت في نفسي:
-أنجزت ما وعدت..لقد قتلتني..

III - يوميات حائك : أحجار على رقعة الشطرنج

"لو أقمت فيكم خمسين عاما، ما استكملت فيكم العدل،
إني لأريد الأمر من أمر العامة، فأخاف ألا تحمله قلوبهم،
فأخرج معه طمعا من طمع الدنيا"
عمر بن عبد العزيز







أحجار على رقعة الشطرنج






بياض...في سواد ...جبنة اكثر بياضا و مذاقها منعش...ربح البيع ان كانت منتوجا وطنيا..على أن اتذكر النظر في العلبة حين اعود للبيت..و تكون استكملت حلقاتها لو ان الجودة قد وفرت بثمن بخس قادر على المنافسة..لو سألت القيم حين الدفع لعده بخلا..و ما سأقول له.؟ انما اسال عن ثمن الجبنة للاطمئنان على العجز في الميزان التجاري في البلد؟؟ لأعطيته اذن فرصة عمره لكي يرد لي الصاع الذي كلته اياه حين هنأته بتجديد محله و ان لا ينسيه بخله تجديد هندامه ....افضل له و لي ان ادفع و انسحب مباشرة قبل ان يخرج اطفال المعهد الانجليزي و تصبح مهمة عبور الشارع اصعب من عبور ابواب المساجد في الجمع...و ايضا قد لا آمن ان أجد البامبو قد ترك الدكان و انشغل في المناظرات الكروية و اليوم يوم اثنين و بطولة الانجليز-شياطين التجارة- لا تريد التوقف حتى حين تتوقف نصف بطولات العالم..
لكن قد اسات الظن..فالبامبو في مكانه مستقر..مستقر زيادة عن اللزوم..صامت جدا و الأدهى ان عليه مسحة لا ادري اهي من قهر ام من كبرياء...
-هذا الجنرال ما عاد يعرف الى اي حد لسانه جارح..
-نعم..قلت..لكن لن تجادلني في انه يحسن اختيار المرهم...
نظرت اليه بينما كنت اخرج الأثواب و انشرها لأبدا التصميم لعمل الغد...استغربت لأول مرة لم ينادونه في المحلة بالبامبو..فلا وجهه مفلطح و لا قده ما شاء الله عليه كاعواد النبتة...
-و ما ينفعني دواءه...أنا اصلا لاأظنني اتوافق معه بعد اليوم...

أي ثوب هذا الذي اتتني به هذه الزبونة سيخرج مني لعنة الفراعنة قبل ان أكمل حياكته..كان علي ان أتنبه لملمسه حين المفاوضة..أي حرفة هذه التي يجب ان تستخرج حسنتها من بين سيئتي الاستخدام و الاتجار...
-لو كنت تصمت اكثر لأنتج ذلك انسجاما و احتراما اكبر بينكما
تركت الطباشير لآتي بالمقص لأضعه بجانبي قبل ان تأخذه السيدة كروان..و التي طبعا لن تفوت الفرصة للتعليق:
- انظر من يتكلم عن الصمت و الاحترام و الانسجام..
-قولي له ..أنت أصلا نصف المحلة تشتهي حرقك بالبنزين و النصف الآخر لا يمانع ان يدفع ثمنه

انا الذي يحتاج الآن للبنزين لحرق هذا الثوب اللعين ...او أفضل من ذلك حرق كل الصين ... التي تقذفنا بهذه الأثواب السيئة الذكر..مع انهم يحيكون ملابسهم التقليدية بجودة معجزة جعلت مني مولها بفنون الشرق الأقصى ...و كانهم يحتفظون لأنفسهم بأحسن ما في ثقافتهم من الجودة الابداعية و يرمون للعالم بالنفايات النووية لطاقتهم العاملة..و كأننا لم نكتفي فها هم الأتراك بدورهم أصبحوا يقذفوننا -بقدر ما يقذفوننا به من المسلسلات- بانواع السترات التي لا يصل ثمنها الى ثمن ثوب البطانة التي خيطت بها.....
-هذا لا يمنع ان الصمت مورث للذكاء يا سيد بامبو
و لا أدري لم تذكرت نقاشا كنت قرأته من ايام عن ثرثرة النساء و الذكاء..تمعني في حسن الموافقة عطل انتباهي الى ان البامبو صار اقرب الى استنتاج يوفره له الصمت اكثر من اي شيء آخر..لالا أرجوك لم اقصد...
- تقصد اني غبي لأني ثرثار. ...
تو لايت..
-وصفان في نسق واحد..مبدع انت..هل لك في جولة شطرنج؟؟
- تريد ان تثبت لي العكس..اقصر و ابحث عن سبيل آخر..فمهما تنوع ذكاءك و اطلاعك فالشطرنج آخر ما ستغلبني فيه
مرت الدقائق و الساعات-على خلاف المعهود- كعقاربها...سريعة دون احداث اثر محسوس.لأجدني وجها لوجه مع البامبو و الطاولة بيننا سواد في بياض في سواد في بياض..و أفقت على حركة يده و قد حركت البيدق مربعين الى الأمام...
-يجب ان نتحدث عن شيء عزيزي...و الا فصمتك لن يبرهن على نظريتي
على خلاف عادته لم تزغ عيناه عن الرقعة
-اي موضوع تريد؟
- نظرية النينجا في الأزمة الاقتصادية؟؟
-الموضوع استهلكته الأسبوع الماضي و لا يثيرني ..انظر لنا موضوعا اقرب
بدأت احس انه يريد ان لا يخسر على الأقل في نزال الصمت و ابدو اكثر ثرثرة منه...نظرت لحاسوب التصميم..كانت صفحة المقالة التي قرأتها قبل التشطيب ما زالت مفتوحة...
-ما رأيك في هذه المقالة..الكاتبة تتحدث عن لقاءها مع احدى صديقاتها التي تواعد رجلا..و تنقد هذا السلوك الذي يقول اصحابه انه المسلك الوحيد للزواج ..المقال ايضا يتعرض لأحد من اهل حرفتنا

حرك بيدقا آخر دون نظام جامع بين الحركات..يبدو انه مدرك تماما لانعدام حظوظه ...انعدام الفرص او قلتها قد يؤدي الى ارتكاب افعال عشوائية..تماما كقلة الفرص امام البنت التي تخرج للمواعدة..
-مغرورة...
-البنت التي تواعد؟
- لا..الكاتبة...أين تعيش؟؟
حرك الوزير ثم استطرد
- الا ترى الأحوال من حواليها؟؟ ان اردت ان تطاع فامر بما يستطاع
-ليس أمرها..انما هو امر العلماء و المتخصصين
-فليخرج هؤلاء العلماء الى الشارع ان ارادوا فعلا التخصص
يبدو انه وجد اين يفرغ غيظه و احباطه...بدأت احس بنوع ضيق و حتى تساؤل عن معنى كل هذه اللعبة؟؟ و لكن من جهة اخرى اعترف في قرارة نفسي انه طالما بقيت صامتا امام بنات ينطقن بنفس حجة بنت المقال..نعم ان الله على كل شيء قدير..لكن الحق ان ارادة الله لها علل و فرق بين الجهل بالعلل جهلا من جهة الاقرار..و بين تلمسها و العمل بمقتضاها..و الأمر بالصبر قد يكون نافعا في حالات عين كحالة المتكشفة من الصرع..لكن في امر عام يعظم فيه الخطب حتى تشمل النازلة عامة افراد المجتمع..فليس من عادة الشرع و لا العلم ان يامر الناس فقط بالصبر الا فيما لا حيلة فيه من القدر..فانعدام الفرص و بالتالي انعدام المخارج يؤدي الى كثرة الظواهر الاجتماعية الشاذة كما و نوعا ما يؤثر على الميزان الفقهي و حادثة الرمادة في هذا كالأصل..و لطالما عير حجة الاسلام اهل الفقه في زمانه بكونهم ملكيين اكثر من الملك في تناولاتهم القانونية التي يعزلونها عن قيم المجتمع و الاكتفاء بالوصف النمطي دون التقييد و البحث عن الحلول الاجتماعية الناجعة للأمراض و عدم الأخذ بعين الاعتبار مقاصد الدين و الشرع في صراع الباطل و الحق من ضمان الكرامة الانسانية بتحقيق العدالة الاجتماعية بحسن ادارة الحاجات المستعبدة.. ..فما نفع القاعدة القانونية ان لم تترك أثرا على الواقع المليء بالعنوسة و حالات الطلاق المرتفعة ...لن يجادل احد هنا في تحريم مظان الخلوة..لكن الشأن في سياسة القاعدة القانونية اكثر من انتاجها في حد ذاته..فسياسة العلم هذه اصبحت تندر اكثر فأكثر في علماءنا ...فبينما ما زال البامبو يحرك بيادقه بعشوائية انتبهت الى ان فعلا القواعد القانونية هي كبيادق و ليست الملوك في حد ذاتها..و انما السياسة في تحريكها على النمط الذي يحدد الشرع شدته و مرونته..هذا الفقه قد يتذوقه حتى البامبو لما في صنعته من التجارة التي تعتمد اكثر ما تعتمد على فن التسويق...و لعل لهذا يصح بعض ما يذكره الحداثيون حين يلاحظون على منوال ابن خلدون ان انتقال الخلافة في بيوتات قريش المعروفة بالتجارة من بني هاشم و بني امية كان عاملا حاسما في تسيير دفة الامبراطورية و المحافظة على متانة نسيجها الاجتماعي مع الاتساع المهول الذي يهدد اي نسيج بالتمزق..فكان اختيارا محكما ان توضع الرسالة في هذا الموضع حين كانت العقيدة السائدة في المواضع الأخرى من العالم هي اعطاء الأولوية للشخصية العسكرية في ابتغاء القوة...ففن التسويق كما يعلم من خالطه فطرة او احترافا او تعلما أساسه اتقان الخلطات بين الشر و الخير..الأسود و الأبيض حين انزالها في ارض الواقع دفعا بالتي هي احسن و ادراة للممكن في سبيل استجلاب مزيد من القوة و التحكم ..و كأنه اول درجات السياسة و آخر درجات الادارة...
فقاعدته الذهبية : لا تكذب ابدا..لكن ليس ضروريا ان تقول كل الحقيقة...فيها نوع من المكر الحسن -المقابل للمكر السيء- في ادارة الحقائق بحسب عموم الحاجة اليها و المفاوضة بحسب الباطل المدفوع قبولا به او رفضا
نفتقد مثل هذا المكر في كثير من علماءنا يرمي بهم كولاة امورنا بين اوساخ العوام و شرورهم و الصبر على اذاهم على المستوى الفكري و الفقهي ان لم يكن ممكنا على المستوى السياسي الاداري..نعم هو موجود و معاين في بعضهم فلا يزال قائم لله بحجة في خلقه..لكن في اعصارنا غلبة الانطوائية في العلماء او قل ضعف الكاريزما الشرعية التي تلمسها كثرة فقط في السابقين..و البعض يتورع عنها في رهبنة جزئية لا تراعي خصوصية الخصم..فنعم لا شك ان كتبا كالحكومة السرية و احجار على رقعة الشطرنج..تنطوي على تضخيمات ساذجة..لكن لا ينفي الحق الذي فيها من ان العالم يسير منذ قرون بهذه الطريقة..عصابات و جماعات و رجال..و كم مرة قيل ان خصومنا لا يتورعون من التصريح ان الحرب و الصراع سيحسم في اسلوب العيش و طرائق الاجتماع..و اهم جيوشهم هي كتائب الباحثين و العلماء في تطوير هذه الطرائق و صياغة القوالب التطبيقة الواقعية الميسرة للحلول الاجتماعية حتى يفرغوا فيها معتقداتهم و اصول تقاليدهم الرومانية و اليونانية حتى لو اضطروا الى سرقة نماذج الخصم...و هنا قلة قليلة فقط من علماءنا معتنية بصياغة هذه القوالب الواقعية و عامة العلماء -ان استثنينا الاقتصاديين- يحسبون ان الفتاوى و المواعظ كافية في هذه الحرب...و لهذا باستثناء النموذج الاقتصادي الاسلامي..ما زال النموذج الشرعي و القانوني و الاجتماعي الاسلامي لا يحقق كبيرتقدم في المدافعة مع النموذج الغربي على ارض الواقع...و يزيد اكثر فأكثر من الهوة بين الطبقات السفلى و العلماء كلما قلت قدرتهم على المنافسة في تسويق السلعة التي عبر عنها القرآن غير ما مرة بأنها تجارة لن تبور...نعم بلفظ القرآن في غير ما آية هذه تجارة ..و في هدي النبي صلى الله عليه و سلم من انواع المعاملات التسويقية و حسن التوازن بين القضية السياسية و القضية القانونية ما نفتقده كثيرا اليوم و امثلته كثيرة : لا يتحدث الناس ان محمدا يقتل اصحابه...لا يبع حاضر لباد...و احسن تسويق للسلعة هو جودتها ثم جودة عرضها....فان كانت لديك اجود المبادئ في السوق..لكنك لا تحسن قولبتها في الصور و الصيغ الممكنة تقريبا و تبسيطا للذهن بالتعليم و للواقع بالتطبيق و التطوير..فلا تسألن عن علة الكساد..و هذا من الحق الذي تنتقد به الحركة الاسلامية من خلوها من برامج و مشاريع..و الحداثيون يستغلون كلمة الحق هذه في تبرير باطلهم لعزل الاسلام بقولهم ان ليس فيه مشروع و لا برنامج ...ودخول العلماء بكثافة في اتون هذا الصراع تنظيرا و تطويرا على الأقل من الوجهة الفكرية و الفقهية و الاجتماعية هو اكبر رد على العلمانيين الزاعمين للفصل بين الدورين الديني و الدنيوي...

-و كيف تريد حضرة ابي الهول ان ننزل العلماء الى الشارع؟؟ ندعوهم الى الملاهي و المراقص.؟؟
حرك الفيل و ضحك ...
- ليس القصد..لكن فليجدوا الحل...ليش هم علماء ؟؟
لعلمه الذين يستنبطونه منهم...لطالما اشعرتني هذه الآية بطابع الوحدة و العزلة في العالم مع كونه مختلطا الى الثمالة بالناس...فالعلم عازل بطبعه...و من هنا ياتي تميز العالم و فضله على العامي..من جمعه بين الوحدة التي لا يطيقها العامي و الاجتماع الذي لا يطيقه العابد الراهب..ما يورث في طبعه من الشجاعة العلمية و الفضول المعرفي ما يستحق به ارث النبوة ..و بالتالي ارث سياسة المجتمعات...و في مسالة المقال هذه لا يبعد الأمر كثيرا..فمع توافر هذا الطبع الهجومي المنضبط سينطلق الاستنباط من قلقه لقلة الفرص امام الشباب لصياغة حلول من نفس مواد الشرع و اطاراته..و اعادة صياغاتها..دون التقيد بالاطار القانوني الجاف لتجاوزه لتدابير اجتماعية مساعدة توفر مصلحة فرص تلاقي الشباب مع درء المفسدة من تحصبل اكبر نسبة من تواجد المحرم و اقل نسب الخلوة المحرمة ..فليس الحل في دفن الرأس في التراب و انكار جانبنا الحيواني الملتصق بضعفنا المبرر لوجودنا ..فبدون اللقيا و بدون مناخ اجتماعي تكثر فيه نقط الالتقاء بين الجنسين يمكن لأحدهما فيه ان يقع من الآخر على بيان لما تطلبه نفسه...لا يستغرب ان تقل الدوافع في الاقتران و تكثر العوانس دع عنك انعدام الفرص للمطلقات ..و نعم الشهوة الجنسية لا تفسر كل شيء كما قال فرويد لكنه على حق في ان لها دورها الكبير في بث الحياة في شرايين اي مجتمع و اضفاء النضرة على ديناميكيته اذ فيها يكمن جزء كبير من دوافع النفس الانسانية ..فالاسلام ما جاء مبطلا للشهوة و لا معدما لها و انما مقيدا و موجها و محفزا في اتجاهها الصحيح..و الأمر بالصبر فيما تحصل به الباءة هو اشبه بالأمر بوجئ الشهوة و قتلها..و حين الرجوع الى سير الماضين في كتب التاريخ و الأدب تجد ان امثال هذا المناخ كان متوفرا بكثرة بحيث يقف الرجل على ما يجذبه من المرأة او العكس و لا تبقى للخاطبة الا استقصاء ما يجذب الرجل او المرأة من صفات الجسد ...و هذا المناخ هو جزء فقط من المناخ العام الذي يجب ان يسود في اي مجتمع ينوي الصمود امام الغزو...و الجانب الآخر قد وصل الى مرحلة تتضافر فيه جميع العلوم من الاقتصادية الى السياسية فالقانونية فالنفسية فالمحضة لتوفير و تطوير هذا العيش لعلهم يفوزون بالتحدي..و الباطل لم يظهر بعد على الحق اذ قلوب الناس ما زالت تتبع الحق و ظهور الباطل لايكون كما قال الامام احمد في المحنة الا بان تنتقل القلوب من الهدى الى الضلال..و املنا ربما لم يصل بعد الى المهدي و لا المسيح عليه السلام بقدر الأمل في خروج علماء يحسنون فهم مقادير المزج الحاصل بين الخير و الشر و وسائل الفصل على حسب الامكان و يلعبونها صح كما لعبها الوزير ابن عمار...
حركت الوزير و انا انظر الى الفصل التام بين الرقعة البيضاء و السوداء ...و سألت..
-و انت من نفسك.. أتتوقع انهم سيجدون الحل؟؟
-هي معركتهم...ان شاؤوا العيش يجب عليهم ربحها..أما انا فمعركتي قد ربحتها ...
أحسست بثقة زائدة في كلامه و لم الحظ مع التفكير ان نظرته الضائعة تبدلت...منعني الاحساس بابتسامته ان اسأل سؤالا غبيا عن معركته و انتظرت بقية كلامه بينما أرمقه يحرك وزير الأندلس:
-ربحتك بأبسط خطة يا ذكي...كش ملك!!

II - يوميات حائك : هجرة الأمراء

"لا تفتح أي حضارة من الخارج حتى تكون قد دمرت نفسها من الداخل"
ول ديورانت




هجرة الأمراء




"فان كان هذا ما لدينا..
اذن فهو أمر رائع...
نحن سعداء و أحبك وانت تعرف ...
...."

تماما مع هذا المقطع المفضل لدي وصلت الا برة الى حافة الرسغ..أتذكر طلب زبوني ان تكون نقشته متعددة الألوان ما يستلزم تبديل خيط البكرة السفلية...اي توقيت هذا ؟؟...وكأنه لا يكفيني من التشويش ما يطالني من الصياح الذي تنتجه تعليقات الحاج الجنرال المقابل لدكاني على مقالات تشافيز الجديدة في محاضراته الطويلة على الراديو..و يتحدث كل يوم عن انجازاتها و كأنه يريد ان يستعيد قسرا ايام كفاح الطبقة العاملة في وجه الأرستقراطية القديمة الجديدة.. دون ان تخلو تعليقاته من التندر على شيخ امريكا اللاتينية يستخرج بها ضحكات الشبان الذين يبدو أنه يحلو له ان يظهر امامهم بمظهر الحليم المهضوم لعلها توازن مظهر الصرامة التي قهرهم بها في عمله وهم بين رائح و غاد و كانها شلة الأستاذ عبودة في مسلسل الشهد و الدموع... لكن ما تلبث ان ترتسم على وجهي ابتسامة تخففها حركة الشفتين لجز الخيط بين اسناني..بعد ان أرى كيف يعرض عنه الشباب عند اول زبونة تمر على المحل حتى قبل ان تصل يدي الى وضع البكرة في موضعها من الآلة لتبدأ شحنها بلفات الخيط الوردي الباهت....
مع الضغط على الدواسة و زيادة سرعة اللف..يزداد ضجيج المحرك..مخلفا ازيزا أشبه بصوت عدم الرضا عند مشجعي الكرة و كأنه يريد ان يذكرني بأن النفقة على اصلاحه قد صارت اوجب من نفقتي على اصلاح نفسي.. و الملفت المضحك المغيظ في آن.. ان ضجيج نقاش الجنرال و الشباب حول افكار الثورات الجديدة يزداد ايضا ...حتى لكأن حبال حناجرهم مشدودة بحبل الدواسة ..أهو عناد الآلة و الانسان ؟؟ أستمع لما يصلني من نقاشهم فهو على الأقل مسل مقارنة بصوت المحرك و أنا منحاز لقومي.. يبدو ان النقاش بينهم انتقل دون مقدمات -شأن كل نقاشات اهل الصنائع التي يراد منها فقط تمضية الوقت- من الكلام عن الرئيس الثرثار الى الكلام عن الفروق بين دول العالم الأول و العالم الثالث و الهجرات بينهما و تفسير ظاهرة الهجرة و عدم اختفاءها مع تفاقم الأزمات الاقتصادية في العالم الأول..ما كان فعلا مثيرا ان يتفقوا جميعا على ان طلب الرزق ما عاد يفسر بالكلية مثل هذه الظاهرة..
فرغم ان تحليلات كثيرة للهجرة السرية قد جعلت من العامل الاقتصادي الفردي العامل الأهم عند جمهرة من الباحثين...لكن كم مرة وجدت هذا العامل غير كاف في تفسير اسراب الطيور المهاجرة ... فان كان فعلا العامل الاقتصادي الفردي قد يكون العامل الحاسم في تقوية دعائم الطبقة المتوسطة في اي مجتمع و بالتالي ترسيخ صمام الأمان لهذا المجتمع او ذاك..الا انه يبقى غير كاف لتفسير امثال هذه الظواهر المقلقة في كثير من جوانبه في عالمي المسلم...اذ من جهة نشهد كما من الهجرة لا بأس به في الدول المتوسطة و المحققة لمعدلات نمو اقتصادية مرضية..و من جهة اخرى طالما شهدت و عايشت تقاعسا ملفتا عن الهجرة من افراد مجتمعات غربية تعيش اوضاع اقتصادية صعبة...
ما يزيد من اللخبطة في تصوري للموضوع الخبر الذي رمقته اليوم و انا افتح حاسوب التصميم في المحل..الصفحة الأولى تتكلم عن امير جديد من امراء المنطقة العربية...يهاجر في صمت مرة اخرى...للاقامة في دولة اجنبية ...تمددت في الكرسي و بيدي عصا تعليق الملابس و بدأت اتامل الخبر الذي ربما لا يستوقف الكثير من الناس...بعد ان شهدنا حقبة هجرة العقول و الأدمغة...ثم بعدها حقبة هجرة الأموال و الرساميل...ثم بعدها هجرة اصحاب الصنع و الخبرات..ثم بعدها هجرة عوام الناس و عمالهم...اصبحنا نشهد الآن هجرة الطبقات الحاكمة في عالمنا ؟؟ هذا فعلا سيقلب الموازين في العادة المترسخة منذ زمان في القاء اللائمة على طبقة واحدة من طبقات مجتمعاتنا...و مع هذا بدأ يتضح ان الفيروسات المسببة لأمراضنا منتشرة في كامل الجسد المسلم و ان بكثافات مختلفة..لكن لا يبدو ان هناك فئة من فئاتنا قد نجت منها او هي بمعزل من معاناة آثار الاصابة بها... ...
لم سيهاجر امير له من الحياة ما ليس لأحد من العالمين ...العربي و الاسلامي ؟؟ بل و ليست لكثير من وجهاء و حكام العالم اجمع ؟؟ لم سيترك كل ذلك ثم يرضى من الحياة بشقة متواضعة في لندن او براغ او نيويورك على هامش الحياة الاجتماعية هناك و يسعى جاهدا ليجد حياة بسيطة عادية لا تحمل من الترف ما تركه في القصور و الضيعات..ان كان للمال فهو اكثرنا مالا..و ان كانت للملك فقد ملكناه علينا..ان كان للهو و آلة الفساد فهي في بلداننا على خفائها اقدر على توفيرها لنفسه ما لا يتوافر للفرد العامي في تلك البلدان ؟؟؟ ......و لا حتى الدمقرطة و المشاركة في الحكم الموفرة لأفرادهم بدرجات متفاوتة تفي بتفسير الأمر...اذ مقامه هناك لا يعدو مقاما بدون فعالية لا في امر الحاكم و لا في امر المحكوم...فما يكون الا ان كان شيئا في الهواء ...شيئا من الذل المنتشر و فقدان الكرامة و فقدان الاحترام للنفس و غياب الثقة غيابا يكاد يكون تاما ...شيئا ان فقد يجعل الجو شبيها بالجو الغائم المحتقن الذي صوره ببراعة الأخوان هيوز في فيلم كتاب ايلي.. و ربما لا يستعاد الا بمراجعة ضرورية الأنفس مراجعة شاملة ممتدة افقيا و عموديا لا تستثنى منه هذه المرة اي طبقة من طبقات هذا الشق من العالم ..
وما يمكن ان يشعرك بضرورتها بتوافق مع شعورك بمغص في معدتك :ان تتنبه لتفصيل مهم من ان المهاجرين من اهل القمة في بلداننا غاية مطامحهم ان يعيشوا على مستوى فرد من القاعدة في بلدان الغير...هذا ان نالوه هم ايضا ..اذ اغلب الظن انهم ايضا سيشعرون بما يشعر به عامة من هاجر من الرفض المبطن و استحالة الاندماج.
تبادر لذهني من قول اميرالشعراء بيته :انما الأمم الأخلاق ما بقيت..بتفكري في مضمونه المركز على ايصال قيم مثل العدالة و الحرية و المنع من الضيم و العبودية و الحلم و الصمت و الأمانة و الاحترافية و امثالها من القيم الاجتماعية الشاملة الى القاعدة الاجتماعية العريضة...ادركت انه لا يجمل بصاحب منطق ان يظن ان فقدانها في مجتمع يكون نتيجة عاصفة تاتي عليها في ليلة واحدة..و لا بثها في جسد المجتمع يأتي من جلسة واحدة في مشفى تحقن فيه دفعة واحدة...نعم..يبدو لي ان الآثار المادية لتخلف هذه القيم و انتشار اضدادها من الفيروسات الاجتماعية هو نتيجة قرون متطاولة الأمد اورثث قسوة القلوب هذه...قرون تتابع الناس فيها على فصل المقدس عن الحياة..على رفعه منها ...نتيجة ما انكره المصلحون قرنا بعد قرن من الفصل بين الظاهر و الباطن..من فصل الحقيقة عن الشريعة..فصل الغيب عن الشاهد ...او بعبارتنا من فصل حقائق الدين و مقاصده عن سنن الكون و علله..ما كان هذا ليتم بعيدا عن الأخلاق فالكل مرتبط برباط واحد...و لا يحق لك ان تتهم الأصل بالوهم...و تثبت الفرع..و لا ان تنقش العرش دون ان تتبثه...فان كان وجود المعصوم وهما و هو الأصل..كان وجود ما ليس معصوما اكثر استحقاقا لصفة الوهم و استتبع كل ذلك اطلاق الوهم بكل ما يظن مانعا من تحقيق ما يراد...بدعوى عدم العصمة..

نعم الدين كأمر الله و تسييده و عيشه..قد يستتبع مخاطرة تسييد الدين الفاسد و اتخاذ الأحبار و الرهبان اربابا..و تغول الشر من خلال ثياب الخير الذي لا يرد..فان كان متيسرا رد الشر حين يأتيك بلباس الشر...و كذلك رده اذ تعرف انه من انسان غير معصوم مثلك..فيكون رده سهلا..لكن ان أتاك بلباس الخير نفسه كان اسهل للتغلغل فيك و انت قد امنت له..و ان اتاك باسم المعصوم كان اصعب في الرد..لكن مفسدة الصعوبة في التمييز بين الحملان الحقيقية و الذئاب المتخفية في اصوافها..لا تصل الى مفسدة الرد الكلي للامر المعصوم الحاكم بين طوائف الاختلافات الجسدية و العقلية و النفسية..كما ان مفسدة الاختلاف في تحديد الأصلح على ضوء هذا الأمر المعصوم ايسر من مفسدة الاختلاف في تحديده في الظلام الخالي منه... اذ يستلزم ذلك نفي الأمر الضابط لمجموع شهوات و رغبات الأنانية الانسانية و الضامن للحد الأدنى من شرائط الاجتماع و الذي يعطي الناس المبرر الأعمق الوحيد المجيب عن السؤال : لم يجب ان نتعايش؟ لم يحرم على ان آخذ دون ان اعطي؟؟ لم يجب ان لا اكون عبدا لشهوات نفسي ما دمت لست عبدا لشهوات غيري مع اني قد لا اعيش الا حياتي هذه؟؟؟ ربما لهذا كان كلام الملحدين عن ان الدين افيون الشعوب فيه وجه من الحق في شق منه بأنه ضروري لسياسة الجماعات البشرية و تحريكها مجتمعة لمصالحها دون ان يكون لازما ان يصح في شقه الثاني من كونه مخدرا او وهما...اذ قد تساس الجماعة بالحق و قد تساس بالوهم ...و الخلاف في نجاعة السياسة لا في مطلقها ..لأن المتدينين لا ينكرون ان مقصد الدين سياسة الجماعات و التحكم بها فيكون كزوبعة في فنجان و مصادرة على المطلوب...وربما لهذا اشتهر بين محققي علم الاجتماع ان الدين اساس التمدن في المجتمعات و الخروج من الحيوانية الوحشية و محركها الأول و الأقدم نحو هذه الغاية..و ان لا انتاج من انتاجاتها من القانون و السياسة الى الفن الا و للدين منة عليه ...و ربما لهذا ما كانت امة سعت للقيام و الوحدة و النهوض الا و بحثت عن امر معصوم من التوحيد يقوم به امرها و تبني عليه مبادئها و تتلمس مقاصده في كافة المجالات التي تجعل الحياة اكثر امتاعا و توازنا في الصناعة و الابداع و الفلاحة و الفن و الثقافة و العلاقات الاجتماعية و تمدها من بعد حتى توصلها معاني و قيم هذا التوحيد الى ابسط الفعاليات الاجتماعية و علاقاتها من التواعد لجلسة اصدقاء في ليلة صيف الى التواعد في التحرك لنشر مشروع علمي بدأ بحلم و ربما لهذا لا تنخرم هذه القاعدة في امة من الأمم و....وتوقفت البكرة عن الدوران و اعادتني الى الخيط الوردي و الحاج و الشباب و الزبائن و الراديو....
"الشمس قربت على الشروق...
و أصدقاؤنا يقولون وداعا...
لا مكان آخر نمضي اليه...
فأرجو ان تبقى هذه الليلة".....

الجمعة، 6 سبتمبر 2013

شهادة التوحيد...و الفقه السياسي و العسكري (رد على مقالات لجمال سلطان)


في هذه الفتن المعاصرة , يصعب على المرء الخوض في النقاشات حول المبادئ و النظريات الفكرية الاسلامية المرتبطة بكلمة التوحيد التي لم تظهر الحاجة للكلام عليها بعد...فاحرى الكلام في نظريات و توصيفات و عقائد ميتافيزيقية غيبية موروثة في المناخ الاسلامي ربطت طبعا او قسرا بكلمة التوحيد و لم يثبت قط نفعها و لا الحاجة اليها و لم يخرج منها انتاج او ابداع او حتى اصلاح بل لم يخرج منها الا الشقاق و النزاع و الخلاف و ذهاب الريح , لهذا لا اجد الا ان اتناول ما ظهر لي من المبادئ الآنية الحالية الواقعية المعاشة اليومية لهذه الكلمة العظيمة التي لا يعلم الناس رغم بطرهم و غمطهم كلمة جمعت من معاني التحرر و العدالة و الاقتصاد في القول و العمل المكونان لنظرية المعرفة ما جمعت على اعلى مستوى تسقط عند ميزانها دعاوي و ادعاءات كثير من جماعات و تيارات المسلمين فضلا عن غيرهم امتلاك شعاراتهم الحقيقة المطلقة و الحرية ال و بالتالي الخلاص و النجاة ظهر معها تفوق هذه الكلمة لنفسها و تساميها عن ان يدنسها بغرور وكبر ظاهر او خفي ما هم ببالغيه الا ان يكون ما عليه الناس جميعا .....تفوق ظهر باديا في لحظة الانهزام الشبيه بانهزام احد في تفريط المسلمين في كثير من معانيها بينهم سواء من رفع شعارها و رايتها ام من لم يرفعها...ظهر جليا في دعوتين متناقضتين تنحرف عن مقاصدها في دفع التدافع السلمي للمجتمع الى بر الأمان بين سلمية خانعة خاضعة و حربية متهورة عمياء...
السلمية التامة التي تبناها حزب اسلامي ما في الحالة المصرية و قد يسوء المرء كثرة سوء الظنون و كثرة القذف و كثرة المسارعة الى المعاداة و التخوين التي مني بها هذا الحزب القليل التجربة و الجامع لأخلاظ من الأطر و الأفراد غير المرباة و الناقصة للتربية الشرعية و التي كثير منها كانت اكبر طموحها كرسيا للمحاضرة او الوعظ فما لبتث الدنيا ان فتحت عليهم ابوابها فانهالت عليهم فتن السلطة و الجاه السياسي بلا حساب , هذا الحزب له بحسب ما فهمت من متابعته اجتهاد ان المكسب الأول و الأخير الذي يهمه هو المحافظة على الهوية الاسلامية للبلد و ان ادى ذلك في هذه المرحلة الى التضحية بأي مكسب أخر , سواء كان بقاء الاسلاميين في الحكم او تمكينهم او المغامرة بالعملية الديموقراطية و رضا الناس او حتى المغامرة بان يصل حاكم عسكري متغلب و يعتبرون الأصل في هذه المرحلة تحقيق الأمن و الاستقرار و الهوية الاسلامية و ما سواهما لا يعدونه الا لازما لا يلزم , و بلا شك ان في هذا بعض الحق...لكن التوقف عند هذا هو بلا شك ايضا من الخور الفكري و السياسي و ان كان لا يستحق الهجوم و الشتم فضلا عن التخوين الممزق للتقارب و الانسجام الاجتماعي لهذا الفعل الذي لم يصل في ظهوره ظهور فعل حاطب بن ابي بلتعة التي اختلف فيها المعاصرون لضيق حويصلتهم عن استيعاب تنبيه نبيهم صلى الله عليه و سلم على اهمية التناغم الاجتماعي و التدافع السلمي داخله و انه قد يتقدم حتى احكاما نصية شرعية في الأهمية و التقديم, اذ بلا خلاف بين كثير من عقلاء المذاهب السياسية سواء الاسلامية او العلمانية ان الأمن بجميع مظاهره سواء القومي او العقائدي او الاقتصادي لازم من لوازم الحكم برضا الناس و لنا في خطبة عمر عن بيعة الفلتة لأبي بكر خير ملخص لهذه النظرة, اذ هذا وحده القادر على انتاج جماعة متماسكة اذ بانتشار التمثيلية السياسية تنتشر العدالة النسبية المثمتلة في تحقيق مصالح اكبر قدر ممكن من الجماعة , و هذا ينتج الانسجام الذي يقضي في جميع تجارب الحكم المدني على كثير من الظواهر الاجتماعية الظالمة من الفقر و التهميش الى الارهاب و الجريمة المنظمة ...و على هذا قد يبدو للبعض خيار الحزب الاسلامي المنافس هو الأصوب , لولا ان هؤلاء ايضا لاستبطانهم ايضا ما استبطنه كثير من الاسلاميين من اقصاء بقية المجتمع و اعتمادهم على المغالبة و حكم الأغلبية لا المشاركة و التوافق...و التي هي الأساس الذي برهن نجاحه في التجارب الانقالية من تجربة دولة يثرب الأولى حتى الدولة الأمريكية الحديثة ...و تحت ضغط هذا الحزب المسالم اصلا فقط مع المتغلب دون المسالمين له من اخوانه , افضى هذا الحزب الأول في مصر الى تعجل و عدم روية افضت الى تضييع هذا المكسب الأول الذي كان من شانه ان يمنح للناس مدة سلمية كافية ربما لتنتج ما انتجته السلمية الناتجة عن معاهدة الحديبية , اي مكسب الارتباط برضا الناس و الحفاظ على الوحدة الداخلية و تجنب انقسام المجتمع و استقطابه الداخلي ما امكن....

اما الذين يجوزون رفع السلاح فانهم و ان كانوا يتبرؤون من تكفير المجتمع لكن كثيرا منهم يستبطن تكفير الحكام , و هي مسألة انهكت هذه الأمة لعقود و جرت عليها لحد الآن مفاسد : دماءا و دمارا لم نر اي مصلحة كبيرة تحققت وراءها بعد طول مدة ...فبغض النظر عن الاختلافات القوية في هذه المسألة بين الفرق المعاصرة رغم ادعاء كل فريق الاجماع قديما و حديثا على ما ادعاه و هو ما يستحق بالفعل مقولة الامام احمد من ادعى الاجماع فهو كاذب ,فمجرد الاقرار بالاختلاف يؤدي الى النفور عن انزال احكام الكفر و الاقصاء هنا و الاشتغال بها هذا الاشتغال الذي اظهر ان اكبر مفسدة جلبها ربما تكون اكبر من مفسدة الدماء و تشويه الصورة مفسدة تمزيق ما تبقى من الجماعة المسلمة و تفيتيتها , فالاختلاف وحده شبهة قوية مانعة من الاشتغال باحكام التكفير كما ذكره غيرما اصولي مقاصدي كالامام العز و ابن الحاجب و غيرهما ...و هي احكام تشتغل بها الأمة غالبا حين تضعف لحمة جماعتها مع الوقت و لهذا لن تجد اشتغالا للصحابة مثلا بتكفير الخوارج كما اشتغل به من بعدهم , و انما كان همهم سياسة الجماعة و نشر السنة بين الناس المانعة لهم من الوقوع في الكفر و بالتالي تمتين اللحمة المانعة من الاقصاء و التكفير, لكن من بعدهم لما عجز عما كانوا عليه لجأ الى ما هو اسهل و لا يحتاج مدافعة و مكابدة و صبرا كالأول فكفروا و بدعوا و تفرقوا شيعا و هذا تفصيله في كتب المصلحين اللاحقين كالغزالي و ابن رشد و ابن تيمية و ابن خلدون و الشاطبي و اضرابهم...و لهذا ربما كان الحق في وصف امراء اليوم ما ورد فيهم من حديث النبي صلى الله عليه و سلم انهم امراء تعرف منهم و تنكر و التي تمنع رفع السلاح عليهم داخل الجماعة ما داموا يصلون او بكفر عند جميعهم برهان عليه لا أن يكون فقط عند طائفة من الجماعة برهان عليه و تدعي عليه الاجماع , و ما نبهت الأحاديث الكثيرة عليه من ان السيف لا يجر الا الى السيف في هذه الحالة و يقضي على الجماعة , فان اختفت هذه الجماعة المسلمة فلا مناص الى الاعتزال من السياسة كلها و لا يرفع السيف الا في المواطن المتمايزة الصفوف بحسب ما يستشف من هذه الأحاديث فيما يبدو...
فالداعون لرفع السلاح يقرون ان المجتمع مسلم ثم ان سالتهم لم ترفعون السلاح فيبررونه من عند انفسهم بكفر الحكام الذي اجمعوا هم فقط عليه و قد يكون صحيحا و قد لا يكون صحيحا لكن ليس بقدرة احد ان يجعله قول الأغلب بله ان يكون اجماعا, فان جابهتهم بان كثيرا من الجماعة المسلمة هذه بل احيانا نصفها مع هؤلاء الحكام و يؤيدونهم فضلا على ان يوافقوكم على تكفيرهم ابلسوا و ما وجدوا لقضية رفع السلاح الا دفع الظلم و اراقة الدماء مصلحة و مفسدة فان بينت ان نفس النبي صلى الله عليه و سلم تحمل في جماعة كافرة قطعا و ليست حتى مسلمة كل هذا التنكيل و اكثر منه و صبر عليه و اكتفى بالانكار القلبي و اللساني حتى جعل له مخرج و ان النبي صلى الله علسه وسلم حض على عدم رفع السلاح داخل الجماعة و ان الجهاد و رفعه متوجه خارج الجماعة او المجتمع المسلم و تقوم به الدولة حتى ينتظم امر الجهاد و مصالحه و مفاسده اما في الداخل فممنوع و مقبوح و مذموم بمئات الشواهد الشرعية التي تحض فقط على نشر السلام ما امكن و المحافظة على السلام الاجتماعي الداخلي و عدم تقطيع و تمزيق النسيج الاجتماعي , و ان الأمر كذلك الآن و ان الأنظمة الحاكمة تتغول في القمع لعلمها ان الضغط الشعبي الانكاري قد بدأ يؤتي اكله و انها تستعجل رفع الاسلاميين السلاح لتجد حجة لافناءهم كما وجدت في الجزائر و سوريا و العراق و امثالها , لم يجدوا الا العودة في قرارة النفس الى ما ورثوه عن مشايخ و جماعات و مجاهدين اعتقدوا فيهم الطهارة الكلية لكونهم على الثغور ...مع انهم و الحق يقال رغم انهم عنصر لا ينكر فضله في هذه الأمة لمحافظتهم على قوة الشكيمة الاسلامية و ثقافة الفروسية و النجدة الاسلامية و مسارعتهم في غيرما ما موقف الى انجاد المظلومين و المستضعفين في الآرض الذين لم يكن لهم مغيث بعد الله الا سواعد هؤلاء الذين هجروا مفاتن دنياهم , لكن ما هذا بعاصم لهم , فانتشار الاستبداد فيهم و انعدام اي اليات للتشاور و تحصيل رضا الجماعة الكلي فيهم منعدمة ايضا انعداما ظاهرا حتى اصبحنا نرى داخل جماعاتهم نظما تسيرية استبدادية تضاهي نظم الأنظمة العربية و الطرق الصوفية و نجد لدى الأتباع من تقديس الرؤوس و التغالي في المدح و عدم الخروج و النقد لهم ما يضاهي ما كان يعطى لزعماء اولئك و هو ما انتج قابليتهم للانقسام بعد الانقسام و التناحر فيما بينهم و سهولة استغلالهم و استدراجهم و اختراقهم من مختلف اجهزة المخابرات لجمود النموذج المعرفي التدافعي داخليها و سطحيته , فضلا عن بعدهم الكبير جدا عن الوصول الى استيعاب كل فقه الأمة المقاصدي الذي يوصل الى حقيقة السياسة النبوية المغلبة للرحمة مع من كفر بدعوته فضلا عمن آمن بها , و التي لا مقارنة بين كوارث سياستهم من كثرة المذابح و الفظاعات و كثرة المفاسد و قلة المصالح مع ما يعرفه المسلمون جميعا ظاهرا و يقينا من غلبة المصالح المحققة في السياسة النبوية و التي لا تكاد تعد المفاسد التي ترتبت عنها عند المخالفين فضلا عن الموافقين.., ولهذا تجد العوام و ان ايدت كل هذه التجارب الاسلامية في اولها فانها كثيرا ما نأت بنفسها عن التزام ما ادت اليه بعض نتائجها الكارثية لأنها بفطرتها ادركت ان رفع شعار الاسلام و الدفاع عنه سواء بالتزام اللباس او بحفظ الأحاديث او بطلب العلم او بالثبات على الثغور لا يعني العصمة من الفساد و الاستبداد و سوء التدبير و لا حتى موافقة حكم الله و سنة نبيه صلى الله عليه وسلم...وهذا الذي ما زال يغيب عن كثير من التيارات الاسلامية تقريبا بلااستثناء التي بدأت دعوتها رفضا للعبودية و تقليد العباد و تحرير الأفراد فما لبثت مع انحصار نظرتها في ما تراه جماعاتها و شيوخها و مجاهديها ان سقطوا في نفس ما كانوا قد قاموا لاصلاحه و تطهيره و كان كل شيء واقع تحت احتمال الفساد ووجوب التغيير و الاصلاح و التطهير الا انفسهم ...و لا ينجيهم من ذلك ما اسدوه و لا انهم اكثر عنصر محتفظ بالفتوة و النجدة و الفروسية و بعض مبادئ العقيدة العسكرية الاسلامية , لكن جر هذا الطابع العسكري الى داخل المجتمع المدني المسلم في علاقاته الداخلية بين عناصره و في علاقاته الدبلوماسية مع الشعوب و المجتمعات الأخرى و التي أيضا تبنى على التعاون و المعايشة و التفاوض ما امكن , هذا يؤدي الى كوارث ناتجة عن استخدام النظرة الاطلاقية السريعة التي يتسم بها العسكريون البعيدون عن المنطق التحليلي المقاصدي الاسلامي في بيئة تحتاج الاستقرار و التأني و الصبر , و لهذا لا يبدو صائبا القول الشائع بان كل عسكري لا يصلح لحكم المجتمع المدني فهذا يكذبه الواقع و التاريخ من حكم قادة سياسيين محنكين كبارا كانوا في الأصل قادة عسكريين و استطاعوا اقامة مجتمع مدني سلمي ذو نسب عالية من الرضا الشعبي , من الخلفاء الراشدين الى امثال نورالدين زنكي و صلاح الدين ووصولا الى القادة العسكريين المعاصرين كجورج واشنطن و شاردل ديغول بل و حتى قادة دول معاصرة بينها اسرائيل نفسها كان كثير من ساستها عسكريين متطرفين بل و ارهابيين بالمعايير الدولية الحديثة... فليس المحذور هو النظر الى نفس الشخص لكن المحذور هو استيراد الطبع العسكري او الشخص الذي يغلب عليه الطابع العسكري الشمولي المقدام , ولعل اوضح مثال يتبادر للذهن مثال خالد بن الوليد سواء في الفترة النبوية او في الخلافة الراشدة.
و المقصود ان من انصف من المسلمين في تشبته بشهادة ان لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله ...ادرك ان هذه وحدها ضمان حريته الفردية , و ان لا مصلحة فعلا تستدعي ان يضحي بحريته هذه في التاييد الكلي لمقولات اي حزب داخل الجماعة و المجتمع المسلم سواء رفع شعارا اسلاميا او غير اسلامي و عدم التنبه الى ان جميعها وقعت و تقع و ستقع لاحقا بلا شك في اخطاء و بواقع و زلات كبار و صغار تماما كالأفراد, و ان حريته الفردية التي توشك اليوم على ان تكون اغلى ما يملك بعد حياته , انما تتحقق في الالتزام باطار الجماعة كلها او المجتمع كله , و لن تتحقق الا في المحافظة على تماسك هذا المجتمع و سلميته الداخلية و انه المقصود بمفهوم الجماعة التي اكبر سعي لأعداءها الخارجين و الداخليين اليوم من المنافقين بعد ان قضوا منذ قرن مضى باستعمارهم على وجود امام شرعي يمثل رضا الناس : هو الاتيان على تماسك هذه الجماعة التي بقيت و رميها فيما صرحت به السنهم من فوضى خلاقة تفضي الى تقسيم مقسمها و تجزيء مجزءها...هذه الجماعة او المجتمع المدني التي ان ذهبت وتلاشت و لم يكن للمسلمين بعدها امام و لا جماعة فليس على الفرد المسلم المتحرر الا اعتزال تلك الفرق و الجماعات المتناحرة كلها و التزام خاصة نفسه و يدع عنه سياسة و امر العوام....

I - يوميات حائك : بين عالمين

ملكنا فكان العفو منا سجيــة *** فلمـا ملكـــتم سـال بالـــدم ابطــــح
      وحللتم قتل الاسارى فطالما *** غدوناعلى الاسرى نعفو ونصفح 
فحسبكـم هذا التفاوت بيننـــا *** وكل انــــاء بالـذي فيـه ينضــــــح
حيص بيص






بين عالمين 



الساعة الثالثة صباحا و بدأ الاعداد لتراويح الفجر... و لم يغمض لي جفن ...تفكرت فيما يمكن ان يذهب عني الأرق...اتتبع اخبار الثورات ام اخرج لأدب بالليل و ارى بعضا من آثارها و الناس نيام الى ان يبدأ الناس بالتوافد الى المسجد...لمحت كتاب الله..طال عهدي به فلم اشعر الا و انا افتحه...و سقطت عيني على قصة ابني ادم ....
-أنا سني ...صنعتي حائك.من اغمار الناس...بعد يوم مضن كفيل بارسالي في سبات كسبات اهل الكهف..لكني ما زلت لا أجد الا ما يجده العشاق من السهاد...
قصة آدم تتكرر كثيرا في كتاب الله و بمختلف طرق التصوير الفني على حد تعبير سيد قطب تكرارا تتعدد في ابعاد الفهم و العبرة...و من خبرتي المتواضعة بكتاب الله الشرعي و كتابه الكوني فقهت أنه ما من أمر يتكرر في احدهما الا و لأنه يتكرر في الآخر و تتكرر الحاجة اليه...ربما بشكل يومي احيانا...كان الامام ابن الزبير الغرناطي قد خصص كتابا كاملا نفيسا فريدا في تتبع فوائد امثال هذا التكرار ..لا أدري ان كنت سأجد هذه المرة في لجوئي الى كتاب الله ما يشفي صدري من همين الما بي اليوم و منعني راحة الموت الأصغر...لكن اول ما لفت نظري ان قصة ابني آدم بخلاف قصة ابيهما لم تتكرر ....
نحن في رمضان...ابتليت و رفقائي برئيس في العمل من الذين يستغلون هذا الشهر للانقطاع عن التدخين و الحشيش و ما جاورهما...و الكل لذلك يتحاشاه....دخل في مناوشات مع اغلبية الرفاق...لكن اليوم كنت هدفه الذي لا يريد ان يخطأه...و ما زال الأخذ و الرد حتى افضى الى ان سب ...و تلك غلطة فادحة من اي رئيس قد تكلفه مكانه...الكل ايدني و الكل - لما خلفه في نفوسهم- حضني على رفع الأمر الى الأمين ..الغريب ان مع العودة الى البيت و اجتماع العائلة في ليلة القدر للعشاء ...تشعب الكلام حول الموضوع لا ادري كيف حتى افضى لظاهرة ظاهرة الطلاق ثم عارضتني ابنة خالة لي و استهزأت بي و اضحكت علي الجميع  فلم افعل الا ان عرضت لها بطلاقها و رددت لها الصاع صاعين حتى رأيت القهر في عينيها بين ضحكات الناس البريئة جدا ....
-ـأنا سني ...انا نموذج لملايين الشباب من هذه الأمة الذين افاقوا ووجدوا على كاهلهم ارثا من التخلف لقرون من الظلام و الالحاد و الشرك...لم انم...يبدو لي اني ما كنت اشتكي منه قد اتيت مثله...
أفقت على امة محطمة...على صحراء نفسية و اجتماعية تكاد تخلو من خضرة الأخلاق و العلم و العمل ...افقت و غيري على ارض قاحلة الا من واحات ما زالت تقاوم أورث احباطا و الشعور بالذل و المهانة أبدع برنارد لويس في وصف اسبابه الظاهرة دون ان يصيب في وصف اسبابه الباطنة و التي أبدع في قرع العصا له بسببها ادوارد ذو المسيحية النجاشية....أسباب تفسر تخبط أمة و شرق و أرض منع عنها الغيث لقرون بظلم اهلها و استبدالهم الذي هو ادنى بالذي هو خير...قرون نقضنا فيها غزلنا بايدينا من بعد قوة... حتى اصبحنا نقول: انى يحيي هذه الله بعد موتها حتى نراها اهتزت و ربت و انبتت من كل زوج بهيج؟؟ طال الأمد و قست قلوبنا على منوال بني اسرائيل كما تفرس ابن عباس بسبب الحادنا فيها بالله و امره و الشرك و الالتفات الى من دونه انتشرت في جسمنا امراض الطمع و الهلع و الشح و الاغترار بالرأي و الهوى المفرط و العجب و كثرة الكلام و شقشقته و قلة العمل و العجز و الكسل فضلا عن اوساخ البدن و قلة النظافة و الفوضى في احوال الدنيا و سبيل الآخرة...افقنا و قد كان الذي بالأمس مهزوما مذلولا قد استقوى بضعفنا و سمن بمبادئنا و نشر في نفسه من اخلاقنا -او بالأحرى ما كان من مكارم اخلاقنا-ما اعطاه من القوة ان يصفعنا صفعة افقنا من العيش في اوهام من كثرة ما استمرأنا خضراء الدمن رغم مقاومة الصالحين الذين كثر عليهم الخبث....فوجدناه بما بث في افراده من العدل و الحرية و القسط و الاقتصاد في القول و العمل المستمدة من تعاليم نبذناها وراء ظهورنا: قد فاتنا باشواط مكنته من رقبتنا و تملك امرنا تملك السيد لعبده ....و علم ان في عودة ارادتنا الأولى هلاك ارادته فحرص على ابقاءها مخدرة ... فبث في جسمنا السنة من بني جلدتنا تتكلم بكلامنا ...اجسامها معنا و قلوبها معه...و علم كما قال الامام احمد ان المعركة الحاسمة هي معركة القلوب لا معركة الأجساد...فامد اصحابه المزروعين في القرن الماضي من الاشتراكيين و الليبراليين و من كان هواه هم بالأموال و الخيل و انواع زخارف القول لاستمالة قلوب الناس الى نموذجه..و انه افضل نموذج اخرج للناس...في نفس الوقت الذي عمل على طمس معالم النموذج الأول الذي سرق منه معالم نموذجه...و نشر جنودا من المستشرقين على مدى مئات الأعوام تعمل على تكريس الايمان في نفوس ابناء جلدتنا بتفوق نموذجه على بقية النماذج بتلبيس الحق بالباطل و اخفاء الحق في نموذجنا حتى تنشأ اجيال على الضياع تستصرخه لينجدها و ينقذها من حيرتها بعد ان يكون خلط الحابل بالنابل و الصق بقيمهم معاني الفوضى و الارهاب و التزمت ...و لا ادل على ذلك من كلمات توني بلير امام الكونغرس الأمريكي في اعلانه عن الاستراتيجية البعيدة الأمد في حربهم على الارهاب الاسلامي : بانه لا يمكن كسبها عبر الجيوش بل يجب ان تكون معتقداتنا آخر أسلحتنا ثم يصبغ على القيم الغربية نفس الصفة التي صبغ بها الأنبياء رسالتهم : قيمنا ليست قيماً غربية بل هي قيم شاملة تمثل روح الإنسانية و ان صراعنا معهم انما هو صراع اسلوب حياة ضد اسلوب حياة آخر...و كان تحدي الغرب هو ان يفرض اسلوب الحياة الأقرب لأمر الله لكن بالاستغناء عن الله...و تحدينا اثبات ان ما يوافق امر الله في كونه لا يمكن ان يستغني عن امره في شرعه..قل ان صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين بذلك امرت و انا اول المسلمين

-أنا مسلم.... ذهبت للعمل ...و في قلبي هموم كثيرة ..يجب ان ابلغ عن رئيسي...داخلي جمر من الغضب لتلقينه درسا ...و الانتصاف منه و اظهار شوكتي و ان اضطررت الى التشريد به ...مررت على بيت خالتي و لم اتوقف عند بابها....فما يكون من امر ابنتها فالكل يعلم سمعتها السيئة في الشارع و لا احد سيأسف لهذه الحادثة و ان افترضنا ان فيها بغي فالبغي التي تقوم به اكبر و هو الذي جر عليها الكلام و من يهن يسهل الهوان عليه...فما لجرح بميت ايلام...

نشأت مع كل هذا الهم عن احوال امتي في نشوؤها و ارتقاءها و سقوطها طوال حياتي... و ثقله يزداد مع كل يوم و المتراكم منذ الصفعة الأولى في سقوط الأندلس...فلم يكن بد من التحرر في كبد من اصرار و اغلال تراكمت علي و على غيري كل هذه القرون حتى استطيع فهم اسباب هذا الصراع....من هنا بدأت رحلتي للحرية

ان كان الصراع و المنافسة و دفع الله الناس بعضهم ببعض هي ما يميز هذه الحياة و يفسر عامة ظواهرها....فلا غرو ان يبحث الآخر عن النصر و الغلبة و تحقيق اكبر قدر من الربح في المنافسة و جلب اكبر قدر من اللذة و استبعاد اكبر قدر من الألم ...و لا لوم عليه في ذلك..اذ هذا حقه من جهة ارادة الله الكونية...فلكل خلوق الحق في حماية بقاءه من جهة هذه الارادة القدرية..لكن اللوم علينا اذ كانت ارادة الله الشرعية التي تهذب هذه الارادة الحيوانية لتهديها ان لا تعلو في الأرض فسادا ..اذ كانت من جانبنا نحن فقط و فرطنا فيها فصرنا الى ما نحن فيه..فكان لا بد من البحث عن اوجه التفريط و لا سبيل لمعرفتها باعتبار مبدأ المدافعة بتتبع المقابلين المعارضين لهذا التفريط فبدأت رحلة البحث بين المتقابلين لمعرفة المصلح المفترض من المسيء ..فتعرفت على اسماء رفع ذكرها بين اقرانها  ...كرشيد رضا  و جمال الدين الأفغاني و بن عبد الوهاب و الشوكاني و الكاندهلوي و ابن الوزير و ابن تيمية و العز بن عبد السلام و الجيلاني و الغزالي و ابن حزم و الطبري حتى وصلت الى بوابة السلف : الفيلسوف الشافعي على حد تعبير ابن حنبل.. كان كل واحد منهم مختلفا تماما عن الآخر بطبعه و النموذج الاجتماعي الذي سجن فيه ...نزاعا من القبائل من افناء الناس و بني آدم من شرق الآرض و مغاربها على امتداد العالم الاسلامي الفسيح ...لكن كان يجمعهم نفس النفور من التقليد و الاحساس العميق بالغربة و الفضول المعرفي الجارف الهم و الحب الجامح للحرية فعلا لا قولا و التعلق بالسماء و الحبل الممدود منها و الشجاعة و الاقدام في البحث عن القيم التي هي فوق الانسانية جمعاء فخرج كلامهم مخرج الخطاب للانسانية جمعاء لا ينتمون فيه لا الى فرقة و لا الى طائفة و لا الى عرف و لا مذهب و لا قبيلة .....كان خطابهم في لبه و مقاصده كونيا ببساطة يرون ما بعد زمانهم مما لم يكن يراه اقرانهم... الذين اخلدوا للأرض و رزحوا تحت اغلال الأوضاع و الرسوم المعيشة...و بخلاف النظرة الشائعة لأمثال هؤلاء لم ار غير كلمتهم اقدر على مقارعة الخطاب الوافد علينا من وراء البحار...كلمة تدين بها العرب فتملك العجم....و ما حسب الأمر في خطابهم ما كان ظاهرا تمام الظهور انهم كانوا متشبتين -حتى انفردت سالفتهم -بحبل الله وحده و الاستغناء عن كل ما سواه متحلين بالاعتقاد الذي كنت احتاجه...ان تكون واعيا تمام الوعي بالحاجة و الافتقار...الوعي ان هذه القيم و مكارم الأخلاق محتاجة و مفتقرة الى الله لتمكث في الأرض...هذه كانت مرجعيتهم التصورية العقدية الموحدة...اما مرجعيتهم التطبيقية التصديقية الموحدة فكانت انهم كلهم يشير الى ان هذا الخطاب الانساني تحقق في افضل صور المدينة الفاضلة واقعية في القرون الثلاث الأولى للأمة و سلفها من الرعيل الأقدم...و الذي حقق من النتائج الحضارية المبهرة و التي امتدت على ثلاث قارات في زمن قياسي لم تعرفه الانسانية قط في تاريخها مذ كانت شيئا مذكورا 
- أنا انسان...انا كباقي اجناس الحيوان...يحكمني حب البقاء...فرئيسي ان لم ادس عليه فسأضرس بأنياب و أوطأ بمنسم ...و من لا يظلم الناس في زماننا يظلم...و كل الأمور في صالحي فزملائي حانقون عليه و لن يترددوا في الشهادة ضده...لا ادري لم تذكرت في نفس الوقت اني لا ارغب في ان تعاملني 

في الجهة المقابلة استغرقت في الخطاب المناقض...كان في ظاهره الرحمة و باطنه من قبله العذاب...كلما مررت من راسل و فوكو الى هايدغر و ماركس ثم هيغل و فرويد و نيتشه فشوبنهاور و داروين و كانت و جون لوك الى ديكارت و الأكويني ...الا ووجدت القوم لابسين نفس الشعار...قيم الحرية و العدل و المساواة و الرحمة و الاحترام و التكافل و ترك الفضول و التعايش و منع القوي من أكل الضعيف و صدق الحديث و اداء الأمانة و حسن الجوار و الكف عن المحارم و الدماء...و كلما بحثث عن اصول شعارهم الا ووجدت من رؤوسهم التسليم الخفي بالحاجة الى تعاليم الأنبياء فيها ...حتى انها في كثير من الأحيان كانوا يصوغونها في قوالب مطابقة لقوالب اتباع الأنبياء....لكن في الباطن كان الاصرار على الاستغناء عن الطريق الذي سلكه اولئك....كان الاصرار على تفسير الحياة بالتدافع فقط...بالصراع من اجل البقاء فقط...بالأنسنة فقط....فما ان كنت اتعمق مع كتاباتهم الا ووجدت تبدل باطن الخطاب عن ظاهره و مناقضته له ...كما قال الحسن البصري ان النفاق اختلاف السر عن العلانية و القول عن العمل...فأجد ان اصولهم تنحو الى تبرير نقيض القيم التي يقولون بها...و تبرر العبودية و الظلم و التظالم و التشاطر و التجسس و فذلكة القول و السفسطة و ان الحق هو القوة و ان لاعبرة في الواقع الا بما يفرضه القوي و لاوجود لشر و لا خير و ان الجانب الحيواني في بني الانسان هو المبرر الواقعي الوحيد لكل أفعاله وكينونة وجوده و ما تبقى كله اوهام يفرق بها بين من يمتلك القوة و من لا يمتلكها....انما هي ارحام تدفع و لا يهلكنا الا الدهر و الدنيا لمن غلبا...و لم يكن هذا فقط من التنظير بل لمسته واقعا من افرادهم و جماعاتهم اذ ظاهر عيشهم الاحترام و الأخلاق...لكن ان اضطررت احدهم الى حيث لا رقيب عليه بظنه لا يلبث يصير سبعا ضاريا اقدر على ارتكاب اشد الجرائم قسوة في سبيل الوصول الى شهوته....لم يكن يمنعني من رؤية ذلك ما اراه من تفوقهم و الانتشار الواقعي لتلك القيم بينهم من اثر انتشار ظاهر خطابهم...اذ لا شك عندي ان كثيرا من وجهائهم و مفكريهم و عوامهم يعتقدون بظاهر خطابهم ظاهرا و باطنا ...فالكلمة مؤثرة...لكن عند احتدام الصفوف و وقت الجد...يصبح هؤلاء قلة فيهم...و يخرج الله باطن خطابهم يظهر ذلك في كل التصويتات و الاستفتاءات التي قامت لهم في الحروب الكبرى و المواجهات فيما بينهم و بين غيرهم من الحروب العالمية الى حروب البترول الى الأزمات الاقتصادية الكبرى...و قد تنبه لهذا افاضل من مفكريهم ما زالوا يتنبؤون لهم بالسقوط ان استمروا على هذا المنوال....و لا شك عندي انه لبقاء نوع هذه القيم المستمدة من اصول الأنبياء من بقايا اهل الكتاب و القرآن فيهم و ان كانت على ظاهر الخطاب ...لا شك عندي انه لذلك امد الله لهم...كما كانت تفسر لي جدتي الطيبة المقابلة لجدتي الأخرى القاسية كما جرت العادة بين الجدات في ثنوية قسوة و حنان قلما تخطئ : حكت لي جدتي ان فرعونا لم يستجب الله لموسى في اغراقه لما كان مداوما عليه من الاحسان في الطعام و عدم تبذيره فلما بذره و قضى على هذه الحسنة اذن الله باغراقه و استجاب لموسى...  لكن في الجهة المقابلة القيم التي ما زال الغربيون يتدافعون و يتواصون بشدة على تطويرها لا اكاد اجدها الا في ظاهر خطابنا بينما كثير  من باطنه جاهلية جهلاء كما وصفها سيد رحمه الله حتى عند الصفوة ممن تدعي العلم و التسنن تخلف فيهم استبدادا و ديكتاتورية طاغية من الشح المطاع و الهوى المتبع و اغترار كل ذي رأي برايه ..في تأليه خفي للذات مناقض مناقضة صريحة للحرية الكامنة في شهادة التوحيد و التي لا تتجسد هذه الحرية واقعا الا بالتزام اطار الجماعة المجتمع المدني كله بكل المسلمين بلا استثناء تدافعا سلميا التي ضمنت له العصمة بان ما راه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن و هو الذي فسر  به سيد معنى اهل السنة و الجماعة عنده...و قد عاش البرزخ بين العالمين و فقه كثيرا مما فقه شباب هذه الأيام....و الطريف اني وجدت مع البحث ان سلف هؤلاء و سلف اولئك يتكلمون بنفس المنطق و نفس النقاط و الأصول الفرق فقط في الوجهة التي يوليها كل من السلفين...ربما لهذا كان من المصنفين في صراع الحضارات من يجعل سيد قطب المقابل الطبيعي لليو شتراوس المنظر الرسمي لأصول الحضارة الغربية بالنسبة لصقورها...و الحق للمتأمل في طول الصراع ابعد من ذلك اذ ما منظر لهم ظهر على الخلق الا و في الجانب المقابل على مر العصور تجد منظرا نظيرا له يقابله كمقابلة الداء للدواء...
-أنا مسلم...لاتنفك التوصيات من المحيطين بي هذا الصباح...لقنه درسا...لا ترحمه...وصلتما الى مرحلة اشبه بالقتال في الدوائر الرومانية ان لم تقتله قتلت...لا تتركه فان لم تجهز عليه ستندم و سيعود لأشد منها....نفس التعليقات على نفس الوتر من بعض ابناء العم و الخال: لا تأبه بها فهي اولا و اخيرا لا تعدو ان تكون حصلت على طلاقها الا لتتمكن من ممارسة ما يشاع عنها بلا خوف...

.
و الأطرف اني اجد ذلك الصراع في نفسي بين جانبها الحيواني الغضبي و بين نفسي المطمئنة اللوامة ... و كأن في جرمي الصغير انطوى العالم الأكبر..احدها يأخذ بالقوة فقط و الآخر يدعو جانبي الآخر الى كلمة سواء ..تجتمع فيها القوة و كلمة الحق معا...لا يهدر فيها قيمة السن بالسن كما جاءت بها اليهودية و لا يهدر فيها قيمة العفو و الصفح كما جاءت بها النصرانية ...و الجمع بين الحسنيين في نضوج النفس الانسانية ان النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ..يذكرني بتشبيه ابن القيم لصراع النفس الداخلية بصراع الحضارات و الجيوش مستوحيا ذلك من حديث النبي صلى الله عليه و سلم 
ما كان له ايضا اكثر الأثر في نفسي في اكتشافي لأول اختلاف حدث في الأمة حول الايمان و قول السلف فيه من انه ايمان يوم بيوم...ايمان عملي يشمل القول و العمل ...ايمان يزيد و ينقص...فقارنته باواخر امرنا فتبين انهم ظنوا كما ظن اهل الكتاب من قبلنا من كثرة الأماني الأمية بانهم ناجون من النار و الخسران و متفوقون في هذا الصراع بمجرد الايمان العقدي و التصوري دون العمل ...... فهمت من آثار هذا الاختلاف تحسين نظرتي لنفسي اولا و من خلالها الى العالم و ما يجري فيه... و ان اميز درجات الرمادي بين الأسود و الأبيض..ما اورثني الثقة التامة بتفوق النظرة السلفية للواقع و نظرية المعرفة عندهم على غيرهم خاصة مع سيطرة النظرة الأحادية المطلقة الأرسطية للواقع في وقتهم بين بقية الأمم....تعلمت من السلف ان النفس درجات كما الواقع درجات و ان الايمان بضع و سبعون شعبة ادناها اماطة الأذى عن الطريق ما يفسر لي تمام التفسير ثقافة الزبالة المنتشرة في بلداننا الغنية منها و الفقيرة على السواء...تعلمت من هذا علاقة الجوارج الظاهرة و اعمالها باعمال القلوب الباطنة...او بعبارة اخرى علاقة المسؤولية الظاهرة بالحرية الباطنة...و ان فعل التحرر او فعل الليبرالية يجب ان يشمل القلب و اللسان و الجوارح و ليس فقط كما يسر فقهاء الليبرالية على اعتبار الجوارح فقط...و ان هذه التوليفة الوحيدة بين الحق و القوة ان توصلنا الى قولبتها في نماذج اشهارية تطبيقية كافية كما توصل اليها سلفنا ..فهي السبيل الوحيد لدينا لانتاج نموذج جديد تحرري "ليبرالي" حنيفي سمح ينزع عنا الأغلال و يعطينا فرصة للتغلب على النموذج الليبرالي الغربي القائم على توليفة الحق و القوة ظاهرا و القوة فقط باطنا....بعد ان ظهر في لحن قول الآخر كما في منطوقه انه منذ قرون و هو يجمع خيله و ركبه لهذه اللحظة بتوليفة هي ربما اشد التوليفات تحديا لأهل الاسلام منذ وجد المسلمون و ربما منذ وجدت الانسانية....منذ ان قام هابيل بقتل قابيل و رضي هذا بأن يكون عبدالله المقتول في اول انحراف اجتماعي يجعله علماء الاجتماع و الاجرام الأصل اللاواعي لبقية الانحرافات الانسانية باعتباره منتهاها... يوم لم يكن مفهوم الدولة و لا الجماعة و لا القبيلة و لم يمنع الآخر عن نفسه لا لوجود قانون كما قاله ابن عباس و عبد الله بن عمرو الراجح قولهما بدليل اشاري انه علل الامتناع بالخوف فقط من الله ...فقط انسان..فردانية...ليبرالية على الطبيعة بدون مراقبة قانون الجماعة كما كان يحلم جان جاك روسو...الحالة التي افترضها جون لوك في علاقة دولة القانون بدولة الأفراد..و لم يحر جوابا مقنعا في غيابها عن سؤال : لم يجب على المرء ان يقيد حريته ابتغاء مصلحته حتى كاد يعترف بضرورة الحاكمية الالهية ...هذه الحالة تتكرر في صدامات الأفراد كما في صدامات الجماعات و الدول و لحظة الجد نصل عاجلا او آجلا الى هذه الحالة الأولى حالة قابيل و هابيل فترى القدرة على ارتكاب افظع الجرائم من الدول فضلا عن الأفراد من اجل المصالح سواء كانت مصلحة بدائية من ايام الغنم و الحرث...او مصلحة متطورة في ايامنا ايام البترول و الطاقة...و تختفي فجأة القيم و الأخلاق مؤذنة ببقاءها فقط كمجرد ظواهر اجتماعية الى حين ظهور الحاجات الشهوانية مرة أخرى....و هذا يؤذن بهشاشة فترات السلام في الأرض و قصرها ...اذ لغلبة الشهوات و المصالح على القيم و مكارم الأخلاق فلا بد ان تكون فترات الحروب اطول من فترات السلام ضرورة و هو المشاهد اليوم...و هو بخلاف قصد الرسالات التي ما احلت الحرب على كره الا لمحو اسبابها و ارساء السلام في الأرض و تغلب الرحمة الغضب ...لهذا كان خطاب القرآن للسلف الذين اقاموا حضارتهم في مدة قياسية دون ان يقتلوا آلاف من البشر ممن لا ناقة لهم في الحرب و لاجمل في ليلة واحدة كما في حروب الصليب القديمة ...او قتل ملايين امثالهم جلهم من الأطفال في الحروب الصليبية الجديدة....كان خطاب القرآن لهذا السلف بالأصالة والذي جعل امة وسطا شهداء على الناس:
تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ

- أنا عبد الله....اذن انا حر...ان جمعت بعبوديتي بين قدرتي على ندم احد ابني ادم و قدرتي على عفو الآخر...حسمت امري و لم أشا التقدم ببلاغ رسمي للأمين...فقط ما نفعله دائما من الشكوى و التحذير....عند عودتي سمعت تعليقات جامعة بين المزاح و الجد من زملائي من مثل: جبان...ضعيف...غبي...ستندم حين يعود لأشد منها...اكتفيت بالضحك و مسايرة الأمر...فما كان في بالي الا ان اجد عذرا ازور به بيت خالتي . ..........